*الميراث بين حدود الله وتبريرات البشر*.. بقلم سامح الجبيلي

كثير من الناس – للأسف – لا يراعون شرع الله في مسألة الميراث، خصوصًا فيما يتعلق بحقوق البنات. فنجد من يُعطيهن أنصبتهن في الظاهر، لكن يضع عليها قيودًا ما أنزل الله بها من سلطان، فيقولون: هذا ميراثك، ولكن لا بيع ولا شراء إلا للإخوة وبسعر بخس!
وهذا في حقيقته تحايل على شرع الله، وظلم بيّن يختبئ خلف ستار التدين.

إنَّ ادعاء الدين ليس بالقول ولا بالشعارات، وإنما بالفعل والالتزام بأوامر الله ونواهيه. وقد جعل الله الميراث شعيرة عظيمة، من أعظم شعائر العدل الاجتماعي، حتى قال تعالى بعد آيات المواريث:
﴿تِلكَ حُدودُ اللَّهِ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسولَهُ يُدخِلهُ جَنّاتٍ تَجري مِن تَحتِهَا الأَنهارُ خالِدينَ فيها وَذلِكَ الفَوزُ العَظيمُ وَمَن يَعصِ اللَّهَ وَرَسولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدودَهُ يُدخِلهُ نارًا خالِدًا فيها وَلَهُ عَذابٌ مُهينٌ﴾ .
لكن المؤسف أن التفريط في هذه الشعيرة أصبح عند كثير من الناس عادة، حتى صار الذي يطبق حكم الله في الميراث يُعدّ غريبًا أو يُنظر إليه وكأنه صاحب فضيلة خاصة، مع أن هذا هو الواجب الشرعي الذي لا خيار فيه.

إنَّ من يخشى الله حقًا، يرد الحق إلى أصحابه كاملًا غير منقوص، لا يشوبه تحايل ولا ظلم، فالميراث ليس منحة من أحد، بل فريضة من الله.

وأعلم يقينًا أن بين الورثة أناسًا ذوي حاجة، لهم حق ثابت شرعه الله في الميراث، ومع ذلك يُترَك الأمر مُعلَّقًا، بحجة الخوف من “التبجح” أو “إثارة الفتنة” باللجوء إلى المحاكم الشرعية.
لكن الحق لا يسقط بالصمت، والسكوت لا يُبطل الفريضة.

فالأصل إن كنت قادرًا أن تردَّ الحقوق إلى أهلها، فاشترِ حق البنات بما يرضي الله، وبثمنٍ عادل معلوم، لا بخس ولا ظلم، فالأسواق اليوم مفتوحة والشفافية ممكنة، وكل أحد يعرف قيمة الأصول. أما أن تستجلب من يُقدّر لك الثمن بما يوافق هواك، فذلك ليس عدلًا بل تحايل على الدين.

وإن كنت لا تقدر على الشراء، فلا عيب ولا ضير من بيع الأصول نفسها، ولو كانت قصرًا عتيقًا ورمزًا للأسرة منذ أزمان. فخشية الناس ليست بأعظم من خشية الله، والحياء الحقيقي أن نستحيي من الله أن نأكل حقوق عباده.

إنَّ الميراث أمانة، ومن ضيّع الأمانة أو بدّلها أو أجّلها عن وقتها فقد عرّض نفسه لسخط الله قبل غضب العباد، ورضا الناس لا ينفع إذا كان ثمنه غضب رب العالمين.

سامح الجبيلي

شارك

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *