هدى الأمير تكتب: الغزو العراقي للكويت .. ذاكرة عربية تستحق أن تُروى للعالم

في كل أمة محطات تاريخية لا يجوز أن تذوب مع مرور الزمن، لأنها لا تمثل مجرد أحداث سياسية، بل تشكل جزءًا من هوية الشعوب وذاكرتها الوطنية، ومن بين تلك المحطات يبرز الغزو العراقي للكويت عام 1990، بوصفه واحدة من أكثر الأزمات تأثيرًا في تاريخ المنطقة العربية الحديث، وهي أزمة ما زالت تحمل في تفاصيلها الكثير مما يستحق أن يُوثق ويُقدم للأجيال الجديدة بلغة التاريخ لا بلغة الشعارات.

ورغم مرور أكثر من ثلاثة عقود على تلك الأحداث، فإن المتابع يكتشف أن قطاعًا واسعًا من الرأي العام العربي، وخاصة الأجيال التي ولدت بعد التحرير، لا يعرف سوى عناوين مختصرة عن الغزو، بينما تغيب عنه تفاصيل ما عاشه الشعب الكويتي، وحجم المعاناة التي مرت بها الدولة خلال أشهر الاحتلال، وكيف تحولت الكويت إلى قضية دولية حظيت بإجماع غير مسبوق على رفض انتهاك سيادة الدول.

إن القضية اليوم لم تعد مجرد استحضار لحدث مضى، بل أصبحت مسؤولية توثيقية وثقافية وإعلامية، فالتاريخ الذي لا يُروى كما حدث، يترك فراغًا تملؤه الروايات الناقصة أو المعلومات غير الدقيقة، ولهذا فإن الحاجة أصبحت ملحة لإنتاج أعمال وثائقية، وأفلام، ومتاحف رقمية، ومؤلفات بلغات متعددة، تعرض الوقائع كما جرت، مستندة إلى الوثائق والشهادات والقرارات الدولية، حتى تصل الحقيقة إلى كل باحث وقارئ داخل العالم العربي وخارجه.

لقد أثبتت الكويت خلال تلك الأزمة أن قوة الدول لا تُقاس فقط بإمكاناتها، بل أيضًا بقدرتها على الحفاظ على شرعيتها، وتمسكها بالقانون الدولي، ووحدة قيادتها وشعبها في مواجهة المحنة، كما برهنت الأزمة على أهمية التضامن العربي والدولي، حيث أسهمت مواقف العديد من الدول العربية، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية التي استضافت الحكومة الكويتية وقوات التحالف، إلى جانب مشاركة دول عربية أخرى، في دعم الجهود الرامية إلى إنهاء الاحتلال واستعادة سيادة الكويت، وصولًا إلى تحريرها في فبراير 1991.

ولا يمكن الحديث عن تلك المرحلة دون الإشارة إلى الدور الكبير الذي لعبه المجتمع الدولي عبر قرارات الأمم المتحدة، والتي أكدت رفض ضم الكويت بالقوة، ورسخت مبدأ احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها، وقد شكل هذا الإجماع الدولي أحد أبرز العوامل التي مهدت لتحرير الكويت وعودة مؤسساتها الشرعية.

إن ما تحتاجه هذه القضية اليوم ليس إعادة إنتاج خطاب الماضي، وإنما تقديمه للأجيال الجديدة في إطار معرفي وإنساني يوضح حقيقة ما جرى، ويبرز كيف واجه الشعب الكويتي ظروفًا استثنائية بصبر وثبات، وكيف استطاعت الدولة أن تستعيد سيادتها بدعم عربي ودولي واسع، لتبدأ بعد ذلك رحلة إعادة البناء والتنمية.

فالتاريخ عندما يُوثق بصدق يصبح مصدرًا للوعي، وعندما يُهمل يصبح عرضة للنسيان أو التحريف، ومن هنا، فإن توثيق الغزو العراقي للكويت ليس شأنًا كويتيًا فحسب، بل هو مسؤولية عربية وإنسانية، لأن حماية الذاكرة التاريخية هي في النهاية حماية للمستقبل، وضمانة لترسيخ قيم احترام سيادة الدول، ورفض العدوان، وصون الأمن والاستقرار في المنطقة.

هدى الأمير – جمهورية مصر العربية

شارك

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *