صار لزاماً علينا في كل عام أن نطرق باب الذكريات ونقف عند محطات الحياة وتحديداً عند محطة الوجع والألم محطة الغزو العراقي الغاشم علي دولة الكويت ، لتتصارع في داخل ثنايا العقل حروف الحزن مع كلمات السعادة لعظم تلك المحنة القاسية والتي شملت حزن الغزو وتبعاته مع سعادة التحرير والنصر المنشود ، فماذا سأدون من سطور شارحاً لمن لم يكن حاضراً تلك الحقبة الزمنية الحرجة في التاريخ الكويتي أو جهل أسباب الغزو واجتياح قوات الغدر العراقية للأراضي الكويتية ليعيثوا فيها الدمار والخراب بشتى صورة . فبادئ البدء دعونا نعرج نحو الادعاءات الواهية التي ساقها النظام العراقي البائد لتبرير فعلته الدنيئة لغزو وطن النهار وأرض الأمن والأمان جارته دولة الكويت التي لطالما وقفت بجانبه في السراء والضراء ، بل كانت له اليد الحانية التي امتدت لجراحه ببلسم الشفاء سواءً قبل حربه مع ايران وبعد ذلك ، بذلت دولة الكويت وأعطت النفيس والغالي من أجل إعادة إعمار العراق في مجالات مختلفة ولم تبخل بالقليل أو الكثير لتقف العراق من جديد على أقدامها وتعود كسابق عهدها دولة لها كيانها المستقل ، ومن تلك الادعاءات التي لا أساس لها من الصحة أن دولة الكويت المستقلة رغماً عنهم كانت جزءا من العراق إبان الدولة العثمانية اقتطعها منهم الاستعمار البريطاني لتصبح دولة مستقلة بذاتها ، وأيضاً اتهام العراق لدولة الكويت بإنتاج كميات من النفط تفوق الحصص المقررة لها والمتفق عليها ، مما أدى إلى انهيار أسعار النفط العالمية والإضرار بالاقتصاد العراقي الذي كان للتو خارجً من الحرب ، كما طالب العراق بإسقاط الديون والقروض المالية الضخمة التي قدمتها له دول الخليج وعلى رأسها الكويت لتمويل حربه ضد إيران ، مدعياً أنه دافع عن البوابة الشرقية للعالم العربي ، واهم تلك الادعاءات تلبية الشعب الكويتي لتخليصه من الظلم الواقع عليه فجاء يساعده ويخلصه ويمد يد العون لمن استغاثه ، وغيرها من الأكاذيب المزعومة التي ما كانت إلا مبررات واهية لغزو الكويت التي رفضت وفندت كل تلك الادعاءات .
وبعد التصعيد الحواري بين البلدين تدخلت بعض الدول لتهدئة الموقف وتسويته وتم عقد عدة اجتماعات ولكن للأسف لم يكتب لها النجاح ولكن تم تقديم تعهدات عراقية تضمن عدم التعرض لدولة الكويت عسكرياً الأمر الذي أطمئنت له الحكومة الكويتية آنذاك ووثقت بتلك الوعود التي تبخرت مع سخونة الموقف وباتت هباءً منثورا .
ففي فجر يوم الخميس الموافق : الثاني من اغسطس 1990 م ، وبينما كان الشعب الكويتي يستعد لبدء يومه المعهود شنت القوات العراقية هجمات عدة معلنة بداية فصول حكاية الغدر والخيانة .. وقصة الخسة والنذالة ، وهنا اضطرت قيادة الكويت الشرعية متمثلة بالمغفور لهم أمير الكويت آنذاك الشيخ / جابر الأحمد الصباح وولي عهده الأمين الشيخ / سعد العبدالله الصباح من النجاح من مغادرة الأراضي الكويتية متوجهين للشقيقة المملكة العربية السعودية التي احتضنتهم كما احتضنت العديد من أفراد الشعب الكويتي وضربوا في ذلك أروع الأمثال في قوة الأخوة والترابط، وبات هذا الموقف مثال يحتذي به في سائر الأيام .
عنصر المفاجأة ألجم قليلاً موقف الجانب الكويتي وجعلها كلقمة سائغة سهلة المنال ، ولكن ما أن انقشعت غشاوة الصدمة حتى كان التصدي واضحاً ويشار له بالبنان من قبل القوات الكويتية المسلحة التي قاتلت بشراسة واخرت من تقدم القوات العراقية الغازية وانزلت بهم العديد من القتلى والجرحي والأسرى ، كما حاولوا توحيد الصفوف وتكاتف الأيدي لإنقاذ ما يمكن إنقاذه ، ولكن وكما يقال دائماً أن الكثرة تغلب الشجاعة ، فمالت كفة القوات العراقية للغلبة في بداية الأمور ولكن ومع مرور الأيام كان للجانب الكويتي كلمة وأفعال سطرها على صفحات تاريخ دولة الكويت ، حيث قاتل ببسالة مدافعاً عن تراب الوطن بكل ما اوتي من قوة ونضال ، كانت لقواتنا المسلحة صولات وجولات ضد القوات العراقية التي تكبدت خسائر لا مثيل لها ، وكذلك تم سقوط شهداء من الجانب الكويتي نحتسبهم عند الله من الشهداء الأبرار .احتدم في قابل الأيام القتال وباتت الكويت دمار في دمار على شتى المجالات أرضاً وجواً وبحراً ، أينما حدقت بناظريك تجد الخراب الشامل يسيطر على أرجاء المكان ويمتد على مدى امتداد ناظريك ، ناهيكم عن القتلى والجرحى التي أضحى منظرهم أمراً اعتيادياً في حياتنا اليومية وكأننا نعيش في غابة القوي يقتل فيها الضعيف ويمزقهم أرباً أربا. لقد عاثت القوات العراقية في أرض الكويت فساداً لا يتخيله عقلٌ ولا منطق ، قتلوا ونهبوا وسلبوا ولم تردعهم تلك الجيرة والترابط الأخوي الذي كان يحيط بهم ، لم يراعوا صغار الأنفس وكبيرها فالكل كان لديهم سواسية ، فكم من طفلة هشمت جمجمتها برصاص قناص جبان ، وكم من حربة غرست بين أضلع شاب هتف باسم الكويت عالياً ، وكم من ستر عفيفة تم هتكه ، وكم من كهلاً تم تصفيته بسبب ودون سبب ، أحداثٌ من الصعب تصديقها وكأنها قصص مستوحاة من وحي الخيال ولكن تفاصيلها المؤلمة وقعت على أرض الواقع ودارت رحاها في المجتمع الكويتي .
استمر الوضع ما بين شد وحذب وما بين قتلِ وسلب ، وشكلت خلايا للمقاومة الكويتية لمساندة القوات الكويتية المسلحة ، وكان لها دوراً بارزاً في تلك الفترة ، فقد ضربت المقاومة الكويتية أروع الأمثلة في بث الخوف والتوتر وسط صفوف جنود الغدر والخسة ، وباتت عملياتهم القتالية يحسب لها ألف حساب وأصبحت نافذة رعبٍ للعراقيين سواءً العسكريون منهم أو المدنيون الذين كانوا يطلق عليهم الجيش الشعبي .اما نحن الأسرى فكنا أجسادٌ أثقلت كاهلها غلظة السجان ، وأيادي مصفدة بقيود الأسر والحرمان ، وعيونٌ تنظر بلهفة نحو نافذة الزنزانة تتأمل لحظة النصر المرتقب ، وآهات الألم يسمع صداها في أرجاء المكان ، رائحة الموت تفوح يمنة ويسرة والأسلاك الشائكة للمعتقل هو أبعد ما يصل إليه مدى النظر ، هذا كان وضعنا في غياهب السجون والمعتقلات العراقية ، كنا أشبه بأموات تسير على الأرض حاملة أكفانها تنتظر الأجل ، كنا أسرى حرموا من أبسط حقوقهم التي كفلتها لهم المواثيق الدولية فيما يخص الأسير ، تجرعنا شتى أنواع العذاب ولبسنا ثوب الذل والمهانة كي نعايش واقعنا المرير ، كانت عجلة الحياة تدور بنا ولكن حياتنا كانت متوقفة في مكانها دون تقدم ، حياة أيامها متشابهة وساعاتها ثقيلة وبطيئة .لقد عقدنا العزم منذ اليوم الأول في الأسر على أن نكون على قلب رجل واحد وأن نوحد صفوفنا ونتكاتف للتأقلم مع وضعنا الجديد كأسري حرب ونجحنا في ذلك بفضل وجود خبرات بيننا في شتى المجالات سواءٌ العسكرية أو الدينية وغيرها من الخبرات التي كان لها الدور البارز في تخطي تلك الفترة القاسية ، فاستطعنا أن نزرع الأمل في أرض الألم وغرسنا بذور الأمنيات في الصحاري القاحلة ورسمنا لوحة النصر على جدران المعتقل ورردنا بصمت وطني الكويت سلمت للمجد ، كنا نمني النفس بالفرج وأن للنصر ساعة لا بد أن تدق أجراسها لتعلن الفوز والنصر ، لم نكن نشك لحظة أن التحرير قادم وأن الكويت ستعود كسابق عهدها وأن مقبور العراق سيعلن الاستسلام والخضوع للمطالب الدولية ، ولكن كنا نشك بقرب هذا الأمر لا سيما أن الأخبار كانت تصل لمسامعنا متضاربة وغير دقيقة ولكن كنا مؤمنين بأن النصر ليس ببعيد وهو قادم لا محال .وأخيراً يجب علينا شكر النعم ، ونستذكر دائماً فضل الله علينا بأنه من علينا بالنصر وأنه سخر لنا العالم أجمع لتحرير الكويت من براثن العدو العراقي الغادر، ونتذكر قوة وحدتنا في تلكم الفترة المؤلمة وتكاتفنا وتلاحمنا للوقوف بوجه العراق الذي حاول طمس الهوية الكويتية واعتبارها المحافظة التاسعة عشر للعراق ، حينها لم نفكر بمفهوم القبلية والطائفية ولم تهمنا المصالح الدنيوية بل تذكرنا أن لنا أم حانية تعرضت للخطر ويجب علينا حمايتها فكان لنا ما أردنا وعملنا لأجله .. أفلا نحيطها .. بحبنا كسابق عهدنا ، ماذا تغير ؟ فالأرض هي الأرض فهل تغيرت الأنفس والشخوص ؟ والسؤال الأهم من كل ما سبق ألا تستحـق الكويت منا رد الجميل .. ألا تستحـق أن نبذل لها الغالي والنفيس ! ألا تستحـق !!! ادعوا في كل لحظه وحين لوطننا الغالي الكويت بأن يحميه الله عز وجل من كل سوء ،، ودمتم سالمين .
العقيد ركن متقاعد ناصر سلطان سالمين




