قصة قصيرة.. جدائل فضية

دسمان نيوز – القبس – إنتصار النعيمي – 
يسألها القاضي:

  • هل تعرفت على المتهم؟

هل هو من قام بالسطو على بيتك وأحرقه بعد مغادرته؟ ولا تزالين أنت وأولادك محتجزة داخل الدار؟

  • لا سيدي القاضي لم يكن هو.

قالتها بثقة وبصوت متزن ينم عن عدم التردد، وهي تقف أمام القاضي ومحامي المتهم ومن حضر معها ومع المتهم، في قضية السطو المسلح الذي تعرضت له قبل عدة سنوات، وهي في دارها مع أولادها العزل، بغياب زوجها الذي كان في مهمة عمل بعيدا عن البيت في تلك الليلة المشؤومة.

لم يثبت أن المتهم هو من قام بالجريمة بعد شهادتها بتبرئته، فعفا عنه القاضي وأخلى سبيله، بشرط أن لا يكون قد سجن على ذمة قضية أخرى. جرت خطاها برضا مغلف بالألم، كمن يعض على جراحه التي لم تشف بعد، آملا بالنسيان بعد احتمال ألم زائل.

تنفست نفسا عميقا كأنه أول نفس تتنفسه بعد تلك الحادثة، التي تركت بداخلها نوعا من التخلي وعدم الاكتراث، لم يعد مهما لها كل ما كان يشكل شيئا ثمينا أو قيما بعد تلك الحادثة، حيث تعلمت أن كل شيء يمكن تعويضه واستبداله والحصول على الافضل منه، إلا أولادها الذين خرجت بهم من هذه الحرب الأليمة بسلام. بعد أن عملت كل عمرها بمشقة وجهد وألم وصبر لا مثيل لها، لتوفر لهم هذا البيت وأثاثه وبعض المال، الذي يجعلهم يواجهون الحياة بكرامة واطمئنان.

كل ذلك تلاشى أمامها في لحظة دناءة أقدم عليها بعض الشباب من الحي، وكانت تعرفهم تمام المعرفة، وطالما أحسنت إليهم وإلى عوائلهم، حين كانت توزع المساعدات وتقدم المعونات الطبية المجانية لكل أهل الحي المحتاجين لها.

كانت ليلة سوداء مرة بطعم الخزي والخيانة، حين سطا الشباب ونهبوا البيت والمال وما خف حمله، ثم أحرقوا الدار بمن فيه للتغطية على جريمتهم، بعد حجز المرأة وأبنائها في الغرفة الداخلية للمنزل، إلا أنهم لم يكونوا على علم أن للغرفة فتحة تكييف كبيرة تطل على الشارع الخلفي للحي، مما مكن المرأة وأولادها من الهروب من الدار قبل أن تلتهمها النيران.

كل ذلك تلاشى من قلبها وذاكرتها ما ان خرجت من المحكمة، لتستنشق نسيم الصباح وتعانق أشعة شمس يوم جديد وتبتسم لولدها الذي كان يرافقها مع والده، حين التفت اليها زوجها متسائلا:

  • عجبت منك كيف تسامحين لهذه الدرجة؟ كيف تتناسين وتصفحين لهذا الحد؟ كيف تفرطين بهذا الحب لكل من أساء إليك؟ حتى أهلي الذين عاملوك بأبشع ما يمكن أن يعامل به بشر. لقد آذوك وأنا أشهد على ذلك، ذلوك ووصفوك بأبشع الأوصاف وألصقوا بك تهما عديدة، لا تليق بامرأة مثلك، ولم تحقدي على أحدهم يوما، بل كنت تسارعين لخدمتهم والاحسان إليهم.

نظر إليها بتعجب ودهشة شديدين، أي امرأة أنت بربك؟ أخبريني أي قسوة وكره تحملين تجاهي؟ لتسامحي كل من اجتهد وتمادى بالاساءة اليك وترفضين مسامحتي، وتشيحين بوجهك عني كل هذا العمر.

ما الذي اقترفته ليجعلك بهذه القسوة معي أنا فقط؟

أعلم أني آذيتك وحرمتك من أمور كانت تهمك، أعلم أني لم أكن كما تريدين، ولم أعطك ما تحبين، لكن كيف تسامحين هؤلاء المجرمين أمام القاضي ول اتسامحيني، أنا زوجك الذي احبك.

كيف لا تغفرين لي أمورا تستطيعين أن تتناسيها لنبدأ من جديد؟

كانت تنظر إلى الشارع من خلال زجاج السيارة التي تسير بهما سريعا، دون اكتراث لكلامه، وكأنها تنتظره أن يتم حديثه، لتعطيه جوابا مختصرا احتشد في قلبها طوال عمرها المنهوب.

التفتت إليه ببرود وهدوء، واخرجت الكلمات من فمها متعثرة، لا تعلم بأي طريقة ستقدم له الجواب، لكنها استدركت الموقف قائلة:

  • إنهم لم يأخذوا مني شيئا لا أستطيع تعويضه، لم يغيروا بي أمرا، ولم يسلبوني حياتي، ولم يحرموني من نفسي لم يأخذوا ما أستطيع أن أناله أو أعوضه. لم يفعل ذلك معي إلا أنت، فقد أخذت مني ما لا أستطيع تعويضه. لقد سلبتني ذلك الذي حين يذهب لن يعود.

فرت دمعة حاولت جاهدة أن لا يراها على خديها بكل كبريائها، سحبت طرف شالها نحو خدها، لتدفن فيه دمعة وتتوج بقايا كبرياء، مسفرة عن جدائل فضية هزيلة كانت يوما ما شقراء يانعة.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا