قصص وحكايات من الفلكلور الكردي.. حكايا الموقد الخشبي

دسمان نيوز – يمثل التراثُ الشعبي، أو الفلكلور، المادي واللامادي، لأيِّ شعبٍ من الشعوب جذور انتماءٍ وهويةً جامعةً. قد يحدث لأسبابٍ كثيرة أنْ يقع نسيانُه أو الاعتداء عليه. ولكن في المقابل نرى أيضًا حركة جادّة لإحيائه وحفظِه إيمانا بدوره في إنقاذِ «التاريخ المنسي» وتعزيز التواصلِ بين الأجيال والاستفادة من مكوناته غناءً ورقصًا وقصصًا ومعتقداتٍ وألعابًا شعبية.. في بناء المستقبل.
ولا شكّ في أنَّ أوّل ما تقتضيه حركة إحياء هذا التراثِ جمعُه وتدوينه، ثم دراستُه وترجمته، حتّى يكون صوتَ الأمة في المحفل الدوليّ والإنسانيِّ.

في هذا السياق يتنزلُ كتاب ماجد الحيدر «حكايا الموقد الخشبي، قصصٌ وحكايات من الفلكلور الكردي» الذي نشرته مطبعة معهد التراث الكردي سنة 2021.

يحتوي الكتابُ تقديمَ معهد التراث (ص12-11) ومقدّمةَ مُعِدِّ الكتابِ ( ص13)، وعددَ 45 قصةً وحكاية من التراث الكردي، معنونةً.

في تقديم المعهد الذي تأسس سنة 2003، تأكيدٌ على غنىَ الفلكلور الكرديِّ، وإشارةٌ إلى أدوار المعهدِ في «جمع وحفظ وأرشفة التراث الشفاهي الكرديِّ وتدوينه» والعملِ على التعريف به عن طريق الترجمة، انطلاقا من أنَّ الترجمةَ وسيلةٌ التواصل بين الثقافات وأحدَ عواملِ التعايش المشترك بين المجتمعات.

وفي هذا السياق، يندرج عملُ ماجد الحيدر الذي اختار عددًا من القصص والحكاياتِ وترجمها إلى العربية.

حكايات وأحداث
في المقدّمةِ التي كتبها المترجمُ ماجد الحيدر، محرّر الكتابِ، تعريفٌ موجز بالتراث الشعبيِّ وبالقصة الفلكلورية بما هي «جنسٌ سرديٌّ مهمّ من التراث الشعبي يتمثل في حكاياتٍ واقعية وأحداثٍ جرت في زمن ما، أو في أحداثٍ متخيّلة يمكن تصديقها أحيانا، وأخرى تدنو من الخرافةِ وتُعدّ ضربًا من الأمور التي يستحيل حدوثُها على أرضِ الواقع». ويضيف ماجد الحيدر أنَّ القصة الشعبية تحتلّ حيّزا مهمّا من الذاكرةِ الجماعية للشعب الكرديِّ، خاصة في ظل قرونٍ من تغييب التدوين، وأنها ليست مجرّدَ حكاياتٍ يُقصد بها إزجاءَ الوقتِ، وإنما هي «مدرسةٌ يتعلّم منها الشعبُ الكثير من القيم والمبادئ المتوارثة جيلا بعد جيلٍ من شجاعةٍ وحكمة ومحبة وتسامح».

من هنا تكمن أهميّة جمع هذا التراث وحفظه وترجمته. وقد انتخب الحيدر، في هذا السياق، 45 حكاية متنوعةَ الأغراضِ ترجمها وأعطاها عنوانا جامعا هو «حكايات الموقد الخشبي»، في إشارةٍ واضحة إلى أن مثل هذه الحكايات والقصص الشعبية كانت تُروى في ليالي الشتاءِ خاصة، وأفراد العائلة متحلّقون حول المواقد الخشبية يتسامرون.

مصطلح «فلكور»

ومثلما هو معلومٌ، فإنّ الانكليزي وليام توماس William Thoms هو أوّلُ من أدخل مصطلح «فلكور» سنة 1846، محلَّ تسمياتٍ قديمة مثل «الآثار الشعبية» و«الأدب الشعبي».. وقد لقي هذا المصطلح رواجا سريعا.

وهو يدلّ، في الدراساتِ المتخصّصة على الأقل على معنيين: الأوّلِ: مجموعُ ما تنتجه جماعةٌ مَا من حكاياتٍ وفنونٍ ومعتقدات وتتناقله شفويا. والثاني هو: العلمُ الذي يدرس هذا التراث.

وقد ازدادت الحاجة إلى هذا التراث والعودة إليه خاصة منذ القرن الثامن عشر في أوروبا في سياقِ تشكّلِ الأمم وانتشارِ الفكرة الوطنية والتياراتِ الرومانسية التي وجدت في هذا التراث الشعبي «روح الأمّة الخالدة».

وقد عانى التراثُ الشعبي أدبًا محكيّا وفنونًا وتقاليدَ من الازدراء والتهميش تحت وطأةِ التقسيم التقليدي للثقافة إلى ثقافةٍ عالِمة «راقية» وأخرى ثقافة العامّة «المنحطّة».

تضمنت المجموعة التي اختارها ماجد الحيدر، مثلما ذكرنا، 45 قصّة وحكاية تنوّعت مواضيعُها ومقاصدُها، فغطّت جانبًا كبيرا من العادات والقيم وآداب الصداقة والزواج والتجارة والسّفر.. 

قصص وحكايات

من هذه القصصِ: من مكر النساءِ، حكايةُ الشيخ سليمان، ماذا سيحدثُ لو كان رمّانا؟، الظلمُ لا يدوم، الدبّ الممتنّ، عاقبة البخلِ، حكاية لاس وغزال، ابنة الحائك، الجنازة، الضيافة العجيبة، الفقير الماكر والغنيّ الأحمق.. إلخ

في الجزء الموالي من هذا التقديم، نقرأ لكم إحدى هذه الحكاياتِ:

الضيافة العجيبة ( ص149-148)

«يحكى أنّ رجلا عاشَ في إحدى القرى واُشتهر فيها بالكرم وفعْل الخير، حتّى عمّ إحسانُه على الجميع وذاع صيته في الجوار بسببِ حسن ضيافته وإكرامه الضّيفَ. غير أنه عُرف بخصلةٍ سيّئة وحيدة، إذ كلّما حلّ به زائرٌ بالغ في ضيافته واحترامه وسارع إلى تقديم أفضل ما في بيته من عشاء، ثمّ قدّم له فطورًا دسِما في الصباح، ولم يكن يكتفي بهذا، بل يضعُ في حقيبةِ الضّيفِ وجبة الغداء كاملة، ثم يرافقه حتّى أطرافِ القرية، حيث ينهالُ عليه بهراوته قبيْل مفارقته.

ويقال انّ أخبار هذا السلوكِ العجيب من كرمٍ وحسنِ ضيافة ينتهيان بالضربِ قد انتشرتْ في المنطقة بأسرها، فقرّر رجلٌ من إحدى القرى المجاورةِ أنْ يعرف حقيقة الأمرِ والسرِّ الذي يكمن وراء هذا التصرّف الغريبِ، فلبس ثياب السفر ووضع خنجرَه في حزامه وامتطى دابته وقال في نفسه:

  • لسوف أقتله بهذا الخنجر إنْ ضربني أو رفع هراوته بوجهي.

ومضى حتّى وصلَ إلى منزلِ ذلك الرجل قبل حلولِ المساء، فاستقبله الأخيرُ بكلّ تقديرٍ وترحابٍ، وقدّم له عشاءً فاخرا وهيّأ له فراشا وثيرا وفطورا صباحيّا شهيّا، ثمّ أصرّ على أنْ يضع له وجبة غدائه في حقيبة السفر، ثم حمل هراوته وسار معه ماشيا حتّى أطرافِ القرية. كلّ هذا والضيفُ ممسكٌ بقبضة خنجره متهيئ لطعنه إذا حاول ضربه بالهراوة.

وعندما بلغَا حدودَ القرية، امتطى الضيفُ دابته وودّع مضيّفَه وابتعد قليلا دون أنْ يلاحظ عليه أي مسعى لضربه كما سمع من الآخرين. فتوقف وعاد إليه وقال له:

  • مهلا أيها الرجلُ. لقد سمعت بأنك إنسان خيّر كريم تحسن استقبال ضيوفك. وهذا ما تأكدت منه ورأيته بعيني، لكنني سمعت أيضا بأنك تنهال على ضيوفك بهراوتك في ساعة التوديع، فلماذا لم تحاولْ فعْل ذلك معي؟ هل خفتَ الخنجر الذي في يدي والذي أقسمت بأن أقتلك به إذا أقدمت على ضربي؟

ضحك الرجل وأجاب:

  • كلاّ. أنا لم أفكر أصلا بضربك
  • فلماذا كنت تفعل هذا مع الآخرين؟
  • لأنك لم تفعل مثلما كانوا يفعلون: لقد كانوا يبالغون في تملّقي ومدحي وإطرائي على شيء أعتبره واجبا عليّ، وكانوا بذلك يضيّعون عليّ أجر ما فعلت. ولهذا كنت أعاقبهم وأستردّ أجري بضربهم». ( انتهى)  

أدب الضيافة

موضوعُ هذه الحكاية الضيافة. وهو موضوعٌ قديم، تناولته الآدابُ في شعرها، في أغراضٍ مثل المدح والفخر والهجاء.. وفي قصصِها أخبارا ونوادر.. وفي أمثالها وأقوالها المأثورة..

ومن مقاصد أدبِ الضيافة الحثُّ على الكرم والإيثار ونقدُ البخلِ والطمعِ والشره.

وإذا كانت المقاصد الكبرى والمبادئ العامةُ حاضرةً في أغلب سرديات الضيافة، فإنّ لكلّ حكايةٍ أو قصّة خصوصيتَها من جهة زاوية نظرها وطريقتها في السّردِ وموطن تركيزها.

وقد لاحظنا أن قصّة «الضيافة العجيبة» ركّزت في سردٍ مشوِّقٍ، لم تنكشف مقاصده إلاّ في نهايتها، على حقوقِ المُضيِّف، وليس على حقوق الضيْف كما نجد عادة في قصصِ الضيافة والكرم.

فمثلما للضيف حقوقٌ كحسن استقباله، وأنْ يُعطى كفايتَه من أفضل ما عند مضيّفه، فإن للمُضيّف حقوقًا أيضا كأنْ لا يطيل ضيفُه الإقامة وأن لا يطلبَ منه ما لا يقدرُ عليه..

ومن حقوق المضيّف، مثلما أبانت عن ذلك هذه القصةُ، ألاّ يبالغ الضيْفُ في مدحِ مضيّفِهِ والتملق له لأنَّ ذلك يضيّع عليه الأجرَ.

وقد اختار بطل هذه القصة طريقةً غريبة في استرداد هذا الحقِّ إذا ضاع، وهو أنْ ينهال على ضيْفه ضربًا.

ذلك ما كان يأتيه هذا البطلُ الذي شاع بين الناس كرمه، وما اتضح في الحوار بينه وبين ضيْفه الجديد، الذي لم يمدحْه ولم يتملق له، بل جاءه مُخفيا خنجرا لغاية تأديبه على فعله هذا..

أسلوب للترويح والترفيه

في أسلوبٍ قصصيٍّ مشوّقٍ، يجعل السامعين في شوقٍ إلى نهاية الأحداثِ، تروي الجداتُ والشيوخُ مثل هذه الحكايات ويتناقلونها جيلاً بعد، شفويا، لغاية تربية النّشْءِ على محمودِ القيم، والترويحِ عنهم في زمن لم تكن فيه وسائلُ ترفيهٍ وتمضية للوقتِ غيرَ الأشعار والقصصِ الغريبة والخرافات العجيبة التي تُغذّي الخيالَ وتُسِرُّ النفوس، وتقويّ الصلاتِ الاجتماعيةَ، وتسهم في تشكيل وحدة المخيالِ الجمْعيِّ والهوية الثقافية.

ولعلّ العودةَ إلى هذه المنتخباتِ من القصص التراثية التي جمعها وترجمها ماجد الحيدر أمرٌ مفيد جدّا لاكتشاف المشتركاتِ الإنسانية وتمتين علاقاتِ التبادل والتسامح بين الثقافاتِ.

ولا شكّ في أن مثل هذه المجموعاتِ يوفر للباحثين ما يعتمدون عليه لإنجاز دراسات متخصصة تكشف عن بنى القصص ونظامِ اشتغال السّرد فيها، وعن دلالاتها الاجتماعية والأنثربولوجية والسّياسية..

وذلك من التخصّصات المطلوبة اليومَ، خاصة في ظلّ التحول إلى ثقافة المرئيِّ، والانفصال التدريجي عن تراث الأسلافِ وقيمهم وآدابهم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا