ليالي فرانز كافكا

دسمان نيوز – القبس – إذا كانت نصوصُ كافكا قد وصلتنا فالفضلُ في ذلكَ يعود إلى ماكس برود الذي لم ينفذ رغبة كافكا، معيداً توثيق كلّ آثاره التي أتلفها.

هكذا يمكننا أنْ نقرأ يومياته حيث، من الصفحات الأولى في 1910 (زمن كان كافكا يبلغ من العمر 27 سنة) حتّى 1922 سنتين قبل وفاته، تحدث كافكا عمّا يثقل كاهله دائما: طفولة ومراهقة حزينتان طُبِعَتَا بوفاة أخويه الصغيرين، وخاصة بأبٍ غليظ كان احتقارُه بناتِه وممارسة العنف عليهن يُرْعِبُ الطفل كافكا.

عزلة ليليّة

صباحًا يشتغل كافكا إطارًا ساميًا في شركةِ تأمين، ثم يتناولُ غداءَه مع العائلة قبل أنْ يلتقيَ بأصدقائه في المقاهي والمسارح، ثم يذهبُ إلى المسبحِ حيث يعوّد جسمه على السّباحة. مساءً أهمُّ شيء هو الكتابة.

كانت الساعاتُ في وحدته الليلية تكتظّ بالأرق والأحلامِ والكوابيسِ التي كتبَها، والتي أصبحت، في كثيرٍ من الأحيان، قصصًا جيّدة البناءِ، حيثُ تظهر من جديدٍ تلك الأطيافُ التي كان يراها خلال النهار، والأشباحُ وممثّلاتُ مسرح يديش yiddish والشخصياتُ الثانوية التي يلتقي بها في الرواياتِ التي كان يقرأها.

كانت كلُّ الأماكن، غرفتُه ومكتبُه، مسكونةً بشخصية الأبِ، ثقيلةِ الحضور في أحلامِه التي كتبَها في دقّة. ففي قصة الحكم Le Verdict التي نشرها سنة 1912 عندما تجرأ جورج بندمان أخيرا للدخول إلى غرفةِ والده ليخبره عن خطوبته حكم الأبُ على ابنه بأن يموت غرقا. لقد استبطن جورج القانونَ ورمى بنفسِه في النهر بعد أنْ صاح: «والديَّ العزيزين، رغم ذلك كنتُ دائمًا أحبُّكما»، ولكنْ لا أحد سمعَه. لقد كانت حركةُ المرورِ على الجسرِ مروّعة.

بعد ذلك بقليل، في سنة 1913 كتب «يجبُ عليّ أن أتوقّفَ دون أن أنتهيَ.. إنّي أشعرُ بالعجزِ وبالعزلةِ عن الخارج، لكنَّ الثقةَ التي تمنحها لي الكتابةُ رائعةٌ ولا يمْكن إنْكَارُهَا..».

فتح باب القانون

في تلك السنوات نفسِها سيظهر غريغور سَامِسَا الذي ستقعُ إزاحتُه في رواية المسخ، بعد تحوّله إلى حشرةٍ مثيرةٍ للاشمئزاز، وترفضُه عائلتُه. ولن يتمكّن من الهرب إلاّ بالموت وحيدًا، مفارقًا حياةً سخيفةً ومرعبَةً.

وفي اليوميات يكشفُ لنا كافكا، الوحيدُ مع نفسه في مواجهةِ مسائلَ أساسيّةٍ، عن شعورِه بالذنْبِ وعن كرهه نفسَه واعتبارها غيرَ جديرةٍ بالنّساء المحبوباتِ دون أنْ يعْرِف أسبابَ ذلك، فيتركنا واقفينَ على عتبة الحيرة والغموضِ.

كيف تمكّن كافكا، من خلال هذه العلاقة اليائسَةِ مع العالَم الخارجيّ ومن نفسِه، أنْ يبنيَ عالمَه الخاصّ، وأنْ يحذّر من العالمِ الذي يكون مُعتقلاً ومن المجتمعِ البيروقراطيِّ حيث يستبطن جوزيف ك Joseph K في المحاكمة العدالة التي تدينُه، وحيث لا يمكن تحقيقُ شيءٍ، لا بالنسبة إلى كارل روسان K. Rossmann في المختفي (العنوان الأصلي لرواية أمريكا) ولا بالنسبة إلى ك. في القلعة؟

في «أمام القانون» ينتظر رجلٌ سنواتٍ ليرى بابَ القانون يُفتح، ينتظر حتّى حلول لحظة الموت عندما قال له أحدُ الحرّاسِ «إنّ هذا المدخلَ مخصّصٌ لك وحدَكَ».

وفي اليوميات يظْهَرُ كافكا كَالوَاقفِ على عتبة أَرْضِ المِيعَادِ، غير جديرٍ بها. لا يُنكر الوجود وإنْ كان لا يَقْدِرُ على الوصول إليه. ولكنه يشْعر بأنّه لا يستحقّ ذلك. فيتكلّم عن نفسِه قليلا، ويتحدث عن القانون كثيرا.  

 ترجمة جديدة ليوميات فرانز كافكا من الألمانية معزّزة بمقاطع غير منشورة في الفرنسية تجعلنا أقرب إلى أسرار حياة كافكا وأعماله 

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا