أوراق المخابرات لا تموت بقلم: أحمد الصراف

دسمان نيوز – القبس – بقلم: أحمد الصراف- في منتصف خمسينيات القرن العشرين هرب الإخواني إسماعيل السيد نابل من سجون عبدالناصر، ووصل بطريقة ما إلى الكويت عن طريق البصرة، وبقي فيها لأكثر من نصف قرن، قبل أن تأتيه المنية ويدفن في مقابرها قبل بضع سنوات.
تعرفت على «أبو حازم» في نهاية السبعينيات، عندما كان يمتلك ويدير شركة مقاولات كبيرة، كوّن من ورائها ثروته، وغالباً بفضل دعم الإخوان له، وسبق أن كتبت مقالات عنه وعن قصصه وتجاربه المؤلمة معهم، والتي أفقدته في النهاية الثقة بهم.

كنت أعمل في بنك الخليج حينها، وكان هو أحد كبار عملاء البنك، مع شريكه المرحوم عبدالله عبداللطيف المطوع. وفي يوم طلب مني مشاركته في أعماله، ولكني رفضت عرضه المغري، وأبديت له أسبابي، فأعجب بصراحتي، وأصبحت مع الوقت مصدر ثقته، فكان يستثمر أمواله معي، وفي فترة تالية نقل ملكية بيته الكبير في منطقة السرة من اسم «رفيقه» في الحزب إلى اسمي!! وكان يقول، بين الجد والهزل وأمام الجميع: إنني الشخص الوحيد الذي يثق به، على الرغم من كل فوارق العمر والفكر والانتماء بيننا. وكان يضيف بأنه لم يجد لدى «الإخوان» ما وجده عندي من اطمئنان على ماله وأهله.


بعد نصف قرن من هروبه من مصر، قرر إسماعيل السيد نابل، بعد أن بلغ أرذل العمر، العودة إلى وطنه لإلقاء النظرة الأخيرة على «وطن كان» وأهله فيه، واستعد لذلك مبكراً، حيث استصدر من الرئيس السادات عفواً رئاسياً عنه، وحصل على عفو آخر تالياً من حسني مبارك.

في مطار القاهرة، سلم جوازه للضابط، فخرج هذا من الكابينة وطلب منه أن يتبعه، وغاب إسماعيل عن مستقبليه، بمن فيهم زوجته وأبناؤه وأصهاره، وطال غيابه لساعات طويلة قبل أن يعود لهم في نهاية اليوم منهكاً.

روى لي، بعد أن عاد للكويت، ما حدث له مع المخابرات المصرية، وكيف تم اقتياده لمبنى تحت الأرض في المطار، وكيف تم استجوابه لساعات، ولم تشفع له شهادة حسن السيرة والسلوك التي أبرزها، ولا عمره الذي تجاوز الثمانين، ولا شهادتا العفو الرئاسيتان. وبعد انتهاء التحقيق، وقبل إطلاق سراحه تجرأ وسأل الضابط عن الكيفية التي تعرفوا بها عليه بعد نصف قرن، علماً بأنه كان يحمل جواز سفر دولة أخرى، فردَّ عليه الضابط بكل حرفية: يا حضرة! الناس تموت، الرؤساء يموتون، بس أوراق المخابرات ما بتموتش!


أعود لموضوع هذا المقال بمناسبة ما يجري في إدارة أمن الدولة، الجهاز الذي يمتلك صلاحيات واسعة، ومخيفة أيضاً، ويقوم أحياناً بأمور لا صلة لها بـ«أمن الدولة»، وبالتالي نتمنى على الفريق عبدالله الفارس، المشهود له بالكفاءة الأمنية والسيرة الطيبة، رئيس الفريق الذي تم تكليفه بمراجعة طريقة عمل وإجراءات التحقيق في أمن الدولة، وضع ذلك في حسابه، فمن اشتكوا مما جرى لهم في إدارة أمن الدولة ليسوا قلّة.

أحمد الصراف

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا