علمانيون.. أضاعوا الطريق! بقلم : د. محمد حسين الدلال

يحلو لبعض الغلاة من العلمانيين وأدعياء العلمانية كلما أتيحت لهم فرصة أن يذكروا محاسن ومآثر الغرب الحضاري المتقدم على البشرية، فالغرب في نظرهم صاحب التطور العلمي والاختراعات العظيمة، والغرب بلاد بلا تطرف أو إرهاب، والغرب هو الملجأ والأمان لكل طالب للحرية، والغرب بلاد الديموقراطية، وبالتالي فإن الغرب في نظر هؤلاء هو المثال والنموذج والقدوة.
يا ليت هؤلاء الغلاة من العلمانيين توقفوا عند ذكر مآثر ومزايا الغرب، فكثير مما قالوا فيه من الصحة ولا جدال في ذلك، ولكن غلو عقل بعض العلمانيين، وعدم اتزانهم وموضوعيتهم، يجعلانهم يجنحون إلى إغفال الجانب المظلم من الغرب، ويسعى بعضهم إلى تبرير جرائم الغرب وتجاوزاته، بل يتجاوز العلماني المتعصب منهم كل أساس موضوعي أو فكرة علمية لصب غضبه على الإسلام وعلى المسلمين والعرب بنعتهم ووصفهم بالتخلف والتراجع والبعد عن المدنية، والمؤلم في الأمر أن مثل هذا العلماني يعلم حقيقة أسباب تراجع الواقع العربي والإسلامي بما فيه من أنظمة تسلطية تحول دون تقدم دوله وشعوبه، وقوى دولية تسعى إلى قمعه ومنع نهوضه.

لقد دعانا الإسلام لنكون شهود عدل على الناس بقوله تعالى: «وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَٰكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا» (سورة البقرة)، ويستوجب ذلك أن نقر بالكثير من مزايا الغرب من تقدم وتطور في العلوم والمعارف، وانتشار لقيم المساواة والعدالة والحقوق الإنسانية، وتوفر فرص لممارسة الحريات، ولكن في المقابل فإن الشهادة العادلة تتطلب أن نلقي ضوءاً على سلبيات وتجاوزات الغرب التي تجاوزت آثارها الغرب نفسه، لتلقي بظلالها على البشرية ككل، وبالأخص الشعوب العربية والإسلامية.

دعاة الغرب يصفون الغرب بالعدالة، وهو ذاته الغرب الذي منح شذاذ* الأرض من اليهود من دون حق وطناً في فلسطين المحتل، بدءاً من وعد بلفور المشؤوم، ومروراً بالاعتراف بقيام الكيان الصهيوني المحتل، وهو الغرب ذاته الذي استخدم الفيتو بكثرة ضد أي قرار يدين جرائم الكيان المحتل في مجلس الأمن، وهو الغرب المستمر بالدعم المالي والسياسي والعسكري اللامحدود للصهاينة، بعيداً عن العدالة أو الإنصاف أو مراعاة للحقوق الإنسانية للشعب الفلسطيني المنكوب.

دعاة الغرب يصفون الغرب بالإنسانية، وقد نتفق جزئياً على أن هناك ممارسات إنسانية عند بعض الأنظمة والشعوب الغربية، ولكن الظاهرة الرئيسية للغرب كمنظومة أن مفهوم الإنسانية ليس جزءاً من ممارساته عبر التاريخ، فالعالم ما زال يذكر علمانية الغرب بما ارتكبه من جرائم في الحربين العالميتين الأولى والثانية، والعالم لم ينس الغرب بمعظم دوله، الذي سعى إلى احتلال واستعباد شعوب العالم واستغلال ثرواته وجَرَّ رجاله ونساءه وأطفاله عبيداً يباعون ويشترون في سوق النخاسة، وما زال العالم يشهد الجرائم التي يرتكبها الغرب في الصومال، وقبلها في العراق، وصمته عن الجرائم في حق الشعب السوري وغيرهم بعيداً عن الإنسانية، والأغلب يقر أن مناداة الغرب بالديموقراطية تتوقف عند حدود مصالح الغرب، فإذا الديموقراطية أضرت بمصالحهم هدموا المعبد بما فيه.

دعاة الغرب يصفون الغرب بتقديس الفرد ورفع شأنه، وهذه المقولة في منظور الفكر والممارسة الغربية غير صحيحة، فالغرب يقدس المادة والمصلحة، ولو كان ذلك على حساب الروح والقيم، ويقول في ذلك المفكر العربي عبدالوهاب المسيري رحمه الله: «تنطلق الرؤية الغربية من أن العالم في جوهره مادة، وأن ما يحكمها هو قانون الحركة المادية، وأن ما هو غير مادي ليس بجوهري، ولا يمكن أن يؤخذ في الاعتبار حينما ندير شؤون دنيانا ومجتمعنا، وأنه لا شيء ثابتاً في الكون، بما في ذلك الطبيعة البشرية».

دعاة الغرب يمجدون أخلاق الغرب، وإذا كانت الحريات متاحة في الغرب، وكذلك العدالة نسبياً، فإن ذلك لا يعني استقرار المجتمع أخلاقياً وقيمياً، وفي هذا يقول الفيلسوف الفرنسي فيليب بنيتون: «الأزمة التي تمر بها الحضارة الغربية تجعل من الفرد، الذي يفترض أن سعادته هي المحور، يعيش أزمة هوية تعصف به وتعرضه للضياع، كما تجره إلى إعادة البحث عن ذاته»، وكتب السياسي والمفكر الأميركي بارتريك بيوكانن كتابه «موت الغرب»، حيث أشار إلى أن من أسباب موت الغرب «الموت الأخلاقي بسبب السقوط الأخلاقي الذي ألغى كل القيم التربوية والأسرية والأخلاقية التقليدية»، فهل نحن بحاجة إلى قيم غربية لا أخلاقية بعيدة عن كرامة الإنسان؟

ختاماً، نقول لكل علماني أضاع الطريق وتنكص عن مبادئ العدالة في مدح أو نقد الآخرين، عليك بالموضوعية والبعد عن الانتقائية، وليكن لكل عربي مسلم من هؤلاء العلمانيين شيء من الاعتزاز بهويته الحضارية، فالمؤكد أن الكثير من هؤلاء العلمانيين العرب يعدون ضائعين خاسرين، فلا هم أصحاب هوية وانتماء إلى الحضارة العربية الإسلامية، ولا هم ينتمون إلى الحضارة الغربية، وللحديث بقية.

*شذاذ: الغرباء الذين لا وطن لهم.

د. محمد حسين الدلال

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا