المحقق العدلي بجريمة «بيروتشيما» في عيْن عاصفةٍ لاهبة ومعه… لبنان

دسمان نيوز – بين القراءة الشخصية لهوية المحقق العدلي في حادثة «بيروتشيما» القاضي طارق بيطار وبين القراءة السياسية، ثمة ملامح مشتركة تضع الملف القضائي الشائك في لبنان المطروح اليوم كواحدٍ من القضايا التي قد تفجّر مجلس الوزراء والوضع الداخلي، أمام كمٍّ من الأسئلة حول هذا القاضي الذي أصبح اسمه على كل شفة ولسان محلياً ودولياً.

ليس تفجير المرفأ جريمةً عادية، والتحقيقُ فيها حتى الآن ليس عادياً، في حجم الانفجار وفي تسلسل الأحداث والشخصيات المُتَّهَمة والمستدعاة إلى التحقيق وصولاً إلى الحملات المندِّدة والمُدافِعة عن بيطار.

واللبنانيون تعوّدوا الإهتمام بالقضاة الذين يتولون قضايا حساسة، بفعل الطابع السياسي للجرائم التي يُحَقِّق أو يَحْكُم فيها قضاةٌ بارزون. وفي لبنان غالباً ما تنطبع المحاكمات والتحقيقات بأسماء قضاة، وبإتهامات بالتسييس، نظراً إلى الإشكاليات التي تصاحبها.

هكذا حصل مع المحاكمات الأشهر في التاريخ الحديث لرئيس حزب «القوات اللبنانية» الدكتور سمير جعجع، إذ ما زال إسم القاضي فيليب خيرالله يتردد بين مُدافِع عنه ومُعارِض له وإتهامٍ له بتسييس محاكمة التسعينات. ومع الضجة المثارة حول إسم القاضي بيطار، يمكن القول إن الإنقسام اللبناني بات يشبه كل الإنقسامات السياسية في ملفات حساسة ودقيقة إلى الحد الذي يتحوّل فيه إسم قاض، لا غبار عليه، من أكثر الأسماء تداوُلاً على منصات التواصل الإجتماعي، وسط حملات مؤيدة أو معارضة له ويُكتب إسمه كشعار يرفع على لوحات إعلانية مع مطرقة العدالة كدلالة على حجم التأثير الذي تركه أسلوب عمله.

إبن بلدة عيدمون في عكار شمال لبنان، قاضٍ عُرف إسمه، كقاض منفرد في الشمال ومحامياً عاماً إستئنافياً، ورئيساً لمحكمة جنايات بيروت، بقضايا تتنوع من الإرهاب إلى قضايا قتْل أثارت ضجة في لبنان، لأسلوب القتل والأشخاص المستهدَفين من مواطنين عاديين، فكانت أحكامه قاسية بحجم الجرائم المرتكبة. لكن اللبنانيين الذين عادةً لا يتابعون أخبار القضاة الذين يحكمون بهذه الجرائم تعرّفوا فجأة إلى بيطار واستعادوا أحكامه كدلالة على درايته وحسه الصادق وعدم إنجرافه وراء الغرائز السياسية والعاطفية.

حين تردد إسمه لأول مرة كقاض تحقيق في إنفجار مرفأ بيروت، بدأت الأسئلة حوله ومَن اختاره، ولماذا؟ وما انتماؤه السياسي؟ لكنه لم يقبل بالمهمة، هو لم يرفض بل «تَريّث» كما يقول في تصريحاتٍ نَقلت عنه انه كان يرى موجبات لهذا الملف وعوائق يجب إزالتها، وإيمانه بأن هذه الجريمة تحتاج محكمة خاصة.

وبعدما عُيِّن القاضي فادي صوان وأوقف عمله بتنحيته، عاد اسم بيطار مجدداً، وعادت التساؤلات حوله. لعلّ أهم تساؤل كان: مَن هو وإلى مَن ينتمي؟ عائلته لها جذور قومية (الحزب السوري القومي الإجتماعي)، لكنه نأى بنفسه عن الأحزاب، وليس مؤيداً لأي طرف سياسي. قاض جدي، مُتابِع لعمله، ودقيق في ما يتوجب عمله لإصدار أحكامه، ومن القضاة الذين يؤمنون بالقانون وبالعدالة وبحق الناس في معرفة الحقيقة والوصول إليها مهما كانت الموانع. وهو تماماً الدافع الذي جعله يقبل مهمة التحقيق في إنفجار المرفأ.

كانت صرخات أهالي الشهداء والضحايا والمصابين أقوى لديه من الحملات السياسية. رُفعت ضده شعارات عن أنه يسيّس القضاء ويخالف القوانين وينتمي إلى جهات سياسية. قيل إنه قريب من رئيس الجمهورية ميشال عون لأن وزيرة العدل ماري كلود نجم إختارتْه وهي من فريق رئيس الجمهورية، لكنه طالب بالتحقيق مع أحد ابرز المقربين من عون أي المدير العام لأمن الدولة اللواء انطوان صليبا. فرفض عون حتى الآن مرّتين، وتحت غطاء المجلس الأعلى للدفاع، إعطاء الاذن بملاحقة صليبا. علماً ان «التيار الوطني الحر» يشنّ حملة سياسية غير مباشرة دفاعاً عن بيطار وتحقيقاته وضرورة معرفة الحقيقة كاملة في إنفجار المرفأ. وقيل ان بيطار قريب من وزير العدل السابق ومستشار عون سليم جريصاتي، لكن المدافعين عن القاضي يقولون ان جريصاتي كان وزيراً للعدل وبيطار قاض لا أكثر ولا أقل.

هو قال لصحيفة «لوريون لوجور» بعد تَسَلُّمه الملف «إن قضية إنفجار المرفأ مقدّسة ومن واجبنا تجاه الضحايا الوصول إلى الحقيقة». حين أعلن بيطار التزامه بـ

«الحق والقانون» كان يراهن ويَعِد بأنه لن يجعل التحقيق ينحرف عن مساره. وهذا تماماً ما يتهمه به الفريق الذي ينظر إلى إدعاءاته على إنها مسيَّسة. ويأخذ عليه هذا الفريق، خرْقَه لبعض المواد القانونية، وان من يسميهم أو يطلب الإستماع إليهم من فريق ولون سياسي واحد: رئيس الحكومة السابق حسان دياب والوزراء السابقون نهاد المشنوق وعلي حسن خليل ويوسف فنيانوس والمدير العام للأمن العام اللواء عباس ابراهيم، وقد تردد انه كان في نيته توقيف ابراهيم حين يحضر أمامه، إضافة إلى ضباط ومسؤولين سابقين. ويأخذون عليه انه لم يَسْتَدْعِ أحداً من الأطراف الأخرى، ويحدّدون في هذا الإطار: لماذا لم يستدع وزراء الدفاع ووزراء العدل، وحتى رؤساء الحكومات السابقين الذين كانوا في الحُكْم حين وصلت شحنة النيترات وعلى امتداد نحو 7 سنوات بقيت فيها بالمرفأ حتى انفجارها، ولماذا لم يستدع قائد الجيش الحالي جوزف عون الذي بقيت النيترات في المرفأ في عهده أكثر من ثلاث سنوات؟ ويتّهمه هؤلاء بأنه يسرّب معلومات التحقيق ويتصرّف على انه يحظى برعاية أميركية ودولية تؤمن له الحماية من أجل إستكمال التحقيق في

إتجاه سياسي واحد، على غرار ما حصل عام 2005 بعد إغتيال الرئيس رفيق الحريري أي إستهداف «حزب الله»، رغم ان بيطار لم يسم أحداً من الحزب ولم يستدعي أي من مسؤولييه للتحقيق معهم.

في المقابل تحوّل القاضي بيطار «نجماً» لدى كل فريق المعارضة، وأهل الشهداء هم أول الذين دافعوا عنه في وجه كل ما طاله من إتهامات، وأعلنوا انهم مستعدون لتأمين الحماية له. تولى أهل الشهداء مهمة الدفاع عن بيطار في وجه حملات التسييس المتبادلة، بين معارضة له وبين قوى سياسية تحاول الدفاع عنه لأسباب تتعلق بالصراع السياسي الداخلي. وهم قاموا بحملات مضادة لمنع التشهير به حين طُرح أكثر من مرة إحتمال كف يده عن القضية، وفنّدوا بدقة قانونياً أسباب تصرفاته وإستدعاءاته وحتى تريثه في إستدعاء ضباط ووزراء تباعاً إلى التحقيق، وسط شبه إجماع على حِرفيته ودقته القانونية.

لكن كرة الثلج سرعان ما أصابت الجميع. تحوّل معارضو «حزب الله» تحديداً إلى مدافعين عن بيطار، لا سيما بعدما أخذ الحزب على عاتقه مهمة التصويب عليه علانية أكثر من مرة. فرئيس المجلس النيابي نبيه بري ظل إلى الساعات الأخيرة يتذرع بالقضاء وبالقانون وبحصانة مجلس النواب للمدعى عليهم من نواب، وبأن هؤلاء يُحاكمون أمام المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء لا أمام القضاء العادي. لكن «حزب الله» تولى بالنيابة عن بري خوض معركة إسقاط بيطار، وخطا خطوتين نوعيتين، الأولى ما أثير حول كلام بمثابة رسالة تهديد وصلت إلى المحقق العدلي من مسؤول الحزب وفيق صفا، ومن ثم كلام الأمين العام لـ «حزب الله» السيد حسن نصرالله الأخير والذي اعتبره خصومُه إيذاناً بفتْح معركة إسقاط بيطار من دون هوادة.

لكن القاضي المعتصم بالقانون ما زال على موقفه، فما هي ساعات بعد كلام نصرالله حتى بادر إلى اصدار مذكرة توقيف في حق (المعاون السياسي لبري) النائب علي حسن خليل. وهذا يعني انه ماض في الطريق الذي رسمه من أجل التحقيق، ما إستفزّ «حزب الله» وبري فسارع وزراؤهما في مجلس الوزراء إلى طلب بحث القضية وسحب الملف من يد المحقق العدلي. وهو الأمر الذي رفضه عون بحجة فصل السلطات القضائية والسياسية، وتالياً فإن الأزمة مفتوحة على كل الإحتمالات في إنتظار معرفة موقف عون حقيقة من ملف حساس وخطر، في ظل ضغط حليفه «حزب الله». علماً ان رئيس الجمهورية سبق أن غطى صليبا فيما القوى السياسية المُعارِضة لبيطار تغطّي الأطراف المدّعى عليها، وبيطار لن يكون له سند إلا كتاب القانون وأهل الشهداء وقضيتهم «المقدسة». أما الدعم الغربي فهو إستنسابي. وللذاكرة فان المحكمة الدولية الخاصة بلبنان توقفت عن العمل في قضايا متفرعة من إغتيال الرئيس رفيق الحريري بسبب وقف التمويل. لكن كل ذلك لا يمنع بيطار، الذي تحوم حوله مخاوف من المساس به وأن يكون على طريقة القضاة في جرائم كبرى في دول العالم، ركناً أساسياً في نظام العدالة التي ينادي بها أهل الشهداء، بعيداً عن السياسة.

لكن العيون اليوم شاخصة نحو رئيس الجمهورية وحزبه (التيار الوطني الحر) وكيف سيتصرف، واي اتجاه سيسلكه حليف «حزب الله»، في وقت يستعد «التيار الوطني» لخوض الإنتخابات النيابية. اذ ان أي خطوة ناقصة سترتد عليه في الشارع المسيحي ولدى العواصم الغربية التي يحاول إسترضاءها وهي تنظر إلى التحقيق بجدية.

وفي المقابل فان «الثنائي الشيعي» الذي يذكّر منذ أيام بما تعرّض له بعد إغتيال الحريري، سيكون أمام حسابات كثيرة لوقف مسلسل إستهدافه. ولعبة الشارع التي يلوّح بها كخيار ليست سهلة في خضم أزمة إقتصادية وإنهيار غير مسبوق وعيون العواصم الغربية والعربية شاخصة إليه. إضافة إلى أن موقف رئيس الوزراء الوافد حديثاً إلى حكومةٍ تخوض أول إستحقاقاتها الجدية بدا مربكاً في الأيام الأخيرة وسط آراء متناقضة يدلي بها حول بيطار والملف برمته، لأن أي تصرف من جانبه يُفهم منه إنحياز تام إلى «حزب الله» سيرتدّ عليه في شارعه السني ولدى رؤساء الحكومات السابقين… إنه إمتحان بيطار مع أهالي الشهداء، في مواجهة قوى سياسية لها حسابات كثيرة داخلية وخارجية، قد يكون آخرها دم شهداء المرفأ والحقيقة.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا