الكويت فقيرة تعليمياً بقلم : د. خالد النفيسي

دسمان نيوز – كان هناك صبيان يسيران في بلدهما الصحراوي وكانا مختلفين كليا، فمعلمو الصبي الأول ووالداه يعتقدون أنه ذكي ونتيجة لذلك يعتقد الصبي أنه كذلك، فعلاماته في الاختبارات جيدة وترتيبه في المدرسة متقدم، ولديه شهادات تميز أخرى ستمكنه من التقدم في حياته الدراسية. أما الصبي الثاني فقليل من الناس يعتبرونه ذكيا فعلاماته في الاختبارات ليست جيدة، وترتيبه أيضا ليس بالمرضي، ولا يمتلك إلا قدرا قليلا من الشهادات الدراسية، وفي أحسن الأحوال ربما يقول عنه الناس انه فطن أو واسع الحيلة. وبينما كان الصبيان يسيران في الطريق الصحراوي عائدين من المدرسة واجهتهما مشكلة، فقد ظهر أمامهما ذئب جائع وسرعان ما اتجه للانقضاض عليهما. ارتعب الصبي الأول ولكن وباستخدام مهارته العقلية قدر الوقت الذي سيستغرقه الذئب ليصل لهما بـ ١٧ ثانية، وعندها نظر إلى الصبي الثاني الذي كان يخلع نعله بهدوء ويلبس حذاء المدرسة الرياضي.
فقال الأول لصديقه، هل أنت مجنون لا يوجد هناك طريقة للهرب من هذا الذئب، فرد عليه الصبي الثاني قائلا «هذا صحيح، ولكن كل ما علي فعله هو أن أسبقك».

تشير هذه القصة المجازية إلى شيء نعرفه بالحدس، وهو أن الشخص يمكن أن يكون بطيء التفكير في المدرسة ولكنه يفكر بشكل جيد خارجها والعكس صحيح، وهنا يبرز السؤال المهم: كيف يكون المرء الذكي جدا بهذه الدرجة من الغباء؟ والذي يقودنا بدوره للسؤال الأهم وهو كيف يمكن أن يكون شخص ما مفكرا جيدا أو سيئا بغض النظر عن أدائه في المدرسة؟

الجواب ببساطة هو إرساء النظم التعليمية بمحيطنا نمطا خاصا بمدارسها يعتمد على التلقين والحفظ، الأمر الذي سبب ومن غير قصد تثبيطا للعقل وتقليص قدراته التي خلق أساسا لها وهي التعلم والتفكير فيما تم تعلمه وأخيرا اتخاذ قرار معين وهو ما بات يصطلح عليه عالميا «بفقر التعلم» بمعنى افتقار المتعلم للحدود الدنيا من القدرة على توظيف العلم في مجالات الحياة المختلفة بشكل سليم، ومجموعهم طبعا (أي المتعلمون) يشكل القوة العاملة للدولة والتي بدورها ستصبح فقيرة في التعليم وبالتبعية بالاقتصاد الأمر الذي يسبب التهديد الاجتماعي الذي كشفت لنا جائحة كورونا عن وجهه القبيح.

ولنتمكن من إصلاح هذا النظام إذا ما أردنا ذلك لابد أن نبدأ من العنصر الأهم وهو المعلم ومساعدته على الارتقاء بالتفكير الفعال لدى المتعلمين. فالمتعلمون يتعلمون بشكل أفضل عندما يفكرون بشكل فعال حول المواد التي يتعلمونها، إن التعلم والتفكير ليسا وحدتين مختلفتين أو مستقلتين وفي الواقع إذا فكر المتعلمون في التعلم فإنهم يتعلمون التفكير ويتعلمون ما يحتاجون إلى معرفته بشكل أكثر فاعلية من الحفظ.

إن الإشكالية في الوضع التعليمي الراهن بالكويت هي أن إخبار المتعلم بالمدرسة بما يجب فعله غالبا ما يكون غير واقعي قياسا بما سيطلب منه أن يفعله لاحقا، وعلى التربويين أن يتوقفوا عن صياغة المشكلات دائما للمتعلمين والاستعاضة عن ذلك بحث المتعلمين على أن يصوغوا المشكلات لأنفسهم. وهنا يمكن القول إن معظم المتعلمين لن يصبحوا علماء أو كتابا أو رسامين، والوضع لا يختلف في الوظائف الأخرى كإدارة الأعمال والنقطة المهمة بالطبع أنه توجد فجوات كبيرة بين نوع الأداء المطلوب للنجاح في مجالات العمل ونوع الأداء المطلوب للنجاح في المدارس، وعليه فإننا ننتهي غالبا ببالغين غير قادرين على عمل ما يتوقع منهم.

د. خالد النفيسي
dr_alnafisi@  

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا