لله الأمر من قبل ومن بعد

دسمان نيوز – القبس- مثل أستاذنا الكبير شاعر المهجر إيليا أبو ماضي ما يدور من هواجس وأحاسيس إنسانية في عقل الإنسان، وكيف تتفاعل تلك المشاعر مع قدرات الحياة التي قدرت للإنسان أن يعيش بها دون علمٍ منه، فيقول باختصار بأبيات قليلة وردت في ملحمته الأسطورية “الطلاسم” بسؤال كبير لنفسه:
طريقي ما طريقي أقصير أم طويل؟

هل أنا سائر بالدرب أم الدرب يسير؟

أما كلانا واقف والدهر يجري؟

لست أدري.

بعبارة لست أدري وبكل بساطة خرج الأستاذ إيليا أبو ماضي من موضوع تفسير تساؤلاته بتلك الكلمات المبهمة التي تمثل مشاعر البشرية جمعاء ألا وهي: لست أدري. سأل الشاعر إيليا أبو ماضي نفسه عن طريق حياته ونفى علمه بمصيره كما هو عليه ملايين البشر الذين لا علم لهم ولا معرفة بمسير طريق حياتهم ولا كيف جاؤوا للحياة أو لماذا جاؤوا بهذه الأوصاف والألوان التي هم عليها؟ ولماذا هذا جاء من عائلة فقيرة؟ وذاك من عائلة غنية؟ لماذا ولد الواحد منهم في صحراء قاحلة قليلة الماء والمأوى والكلأ يسود جوها الجفاف الحار؟ وذلك ولد في جو سيبيريا البارد المتجمد؟ لم يكن الإنسان طرفاً في صياغة مكونات حياته بل إن الحياة فرضت عليه، خرج للدنيا وهو يحمل تبعات هذه العلامات الخلقية التي قدر الله له أن يكون عليها.

الإنسان الحي الذي يعيش على وجه هذه الأرض لا يدري متى ولا أين ستبتلعه هذه الأرض في ثراها لتلحقه رقماً حسابياً بأعداد الآخرين الذين سبقوه إلى هذا التراب، يلقى في حفرة لا يعلم ما سيكون مصيره فيها.

والإنسان على الرغم من علمه بمصير نهايته ألا وهو الموت، يتجاهل الأمر ويعمل وكأنه يعيش في هذه الدنيا أبداً وهذا كذلك لفتة كريمة من نعم الله سبحانه وتعالى الذي بعث فيها الأمل الطويل الذي أهاب به الإنسان إلى السير في طريق العمل الجاد ليعيش كريماً.

وحينما يقول أستاذنا الكبير إيليا أبو ماضي ويتساءل: “طريقي ما طريقي أقصير أم طويل؟”. وكأنه يصف نفسه بأحد ركاب قطار الذي مدت لسيره قضبان حديدية صلبة تفرض عليه بقوتها المسير في اتجاه معين تتحكم بإمكاناته في تحركه وتوجهه إلى المكان الذي تقف عنده، وليس له طريق غير هذا يسلكه تفرضه عليه القضبان الحديدية القوية على مسار واحد لا حياد عنه، واتجاه معين لا مفر منه يقف بما عليه من ركاب بمحطات نهاية المطاف ليلقي بعدد منهم في تلك المحطات الواحدة تلو الأخرى في الفضاء المجهول، الذي لا يعلم مصيره فيها أي أحد سوى خالق الكون.

أما أين يقف قطار الحياة فلا أحد يعرفه من البشر ولا تعرف البشرية جمعاء متى وأين يقف ذلك القطار ولماذا يقف؟ تساؤلات كثيرة ليس للإنسان الحق بالعلم بها أو الجواب عليها، قدرة يقدرها مدبر الكون وخالقه منذ خلق الإنسان وحتى يواجه مصيره الأخير، ولله الكون وحده وهو القادر القدير.

محمد سالم البلهان

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا