محمد بوحوش: للشعر صدى في قصصي وللسرد صدى في قصائدي

دسمان نيوز -تاخذك تجربة التونسي محمد بوحوش إلى دروب الإبداع على تنوعها، فقلمه يدور في أفلاك عِدة، بين الشعر والقصة القصيرة جداً والرواية، وفي كل الحالات يجد القارئ متعة في الغوص معه في عالمه الفريد، وتبدو روايته الأولى «تحت سماء تحترق» محاولة فارقة في مشواره الأدبي، إذ تعد محاولة جادة لتفكيك البنية العقائدية لتنظيم «داعش» الإرهابي، بخلاف روايتين أخريين تناولتا قضية الاغتيالات السياسية. وفي حوار، لـ «الجريدة»، قال بوحوش الذي يكتب القصيدة أيضاً باللغة الفرنسية لتوسيع قاعدة قرائِه، إن للشعر صدى في قصصه ورواياته مثلما للسرد أصداء في قصائده… وفيما يلي نص الحوار:

• يتنوّع إبداعك بين الشعر والقصة القصيرة جداً والرّواية. على أيّ أساس تحدّد الجنس الأدبيّ الّذي يليق بالفكرة؟

– بعيداً عن الإحالات والمرجعيّات النقدية والنظرية، ومن خلال تجربتي الخاصة، فإن تحديد الجنس الأدبي الذي يليق بالفكرة أو الموضوع يعتمد على معايير محددة. فإذا كانت الفكرة مشبعة بالمجاز والاستعارات والإيقاع فإنها تصنّف في خانة النّص الشعري باعتبار أن الشعر انفعال بالأساس. أما إذا كانت الفكرة قائمة على تقنيّات الحكاية من مكان وشخوص وحدث أو مجموعة أحداث وعقدة، وإذا كانت الفكرة أيضاً في خانة الجزئيّ، فإنّها تصنّف في باب القصّة القصيرة جدّاً. أمّا في الرّواية فيختلف الأمر كثيراً. فالفكرة تتشظّى إلى أفكار وأحداث وشخوص وعلاقات، ووصف وسرد وحوار وحكاية مليئة بالتّفاصيل. وعلى هذا الأساس يكون الانتماء إلى جنس الرّواية. دعني أقول إن هذا التصنيف لا يخلو من الاعتباطية أحياناً بحكم تداخل الأجناس، ودعني أقول إن الشعر هو انفعال بالشّيء، بحدث ما، بموقف، بمشهد، بحالة، وهو بهذا يترجم الشعور والعاطفة والوجدان بطريقة فنيّة قوامها المجاز والإيقاع. أما القصّة القصيرة جدّا فهي استيعاب لفكرة أو لموضوع معيّن يشتغل عليه القاصّ بالعقل أساساً، بشيء من الحياديّة، وبإيجاز شديد ينبني على تقنيّات القصّ أو بعضها في إطار سردية نووية. بينما الرواية كسردية كبرى هي موضوع واسع يحتمل الإطناب والتفصيل واستيعاب فنون أخرى ومرجعيات متنوّعة. إنها بحث وعمارة سردية، وصناعة عالم متخيّل يعجّ بالحركة والأحداث والشخوص والصراعات.

• متى تلجأ للكتابة بالفرنسيّة؟ وهل السّبب هو الوصول إلى قطاع عريض من القرّاء الجزائريّين الّذين يجيدون الفرنسيّة، أم تستهدف القارئ الفرنسي؟

– أصدرت عشر مجموعات شعرية باللغة العربية، وأربعة دواوين بالفرنسية ثلاثة منها في فرنسا، منها ما ترجمته بنفسي من نصوصي العربية لغاية أن أصل إلى جمهور القرّاء في الضفّة الأخرى. فأنا شاعر مزدوج اللسان. لكنّي اضطررت إلى الكتابة بالفرنسية حين طلب مني مرات من قبل شعراء فرنسيين أن أقرأ لهم نماذج من شعري فاحترت في الأمر، ثم حاولت ترجمة بعض النصوص لهم، ومن هنا انطلقت في تجربة الكتابة باللسان الفرنسي. الغاية كما قلت هو الوصول إلى قرّاء آخرين ناطقين بالفرنسية في شتى أنحاء العالم بما في ذلك الأشقّاء العرب.

• القصة القصيرة جداً وسيلة تعبير بأسلوب مكثّف، كيف تخرج من مواد الكتابة هذا إلى فضاء السّرد الواسع وما يتطلّبه من نفس طويل؟

– الأديب يجمع بين أنواع شتّى فقد كتبت الشعر والقصة القصيرة جداً وقصص الأطفال والرواية والمقالة النقدية. فالأدب واحد. لذلك لم يكن من الصعب عليّ الانتقال من حالة إلى أخرى بل إنّ ما حصل كان مفيداً جداً، إذ إنني استفدت من جمعي لكلّ هذه الأنواع. لذلك تجد صدى الشّعر في قصصي وفي رواياتي، كما تجد صدى السّرد في شعري. ومع ذلك فأنا أختص بالشعر وبالقصة القصيرة جداً، حيث أصدرت ستّ مجموعات قصصية إلى حدّ الآن، وهي المدوّنة السردية الأكثر غزارة في تونس، هذا البلد الذي لا يزال فيه مبدعو هذا الجنس يعدّون على أصابع اليد. أما الانتقال من السرد المكثّف إلى عالم الرواية، فلا يقتضي منّي غير الانتقال من حالة إبداعية إلى أخرى، كحال من يرتدي قميصاً ضيقاً ويستبدله بآخر فضفاض.

الحكائية والفنية

• ما المواصفات الّتي يجب أن تتوفّر في كاتب القصة القصيرة جداً؟

– في التجريب والتخريب وإعادة بناء النص السردي الموجز لا توجد مواصفات جاهزة وصارمة وفي الأصل والتّأصيل لجنس القصة القصيرة جداً، فعلى الكاتب أن يكون قنّاصاً ماهراً للأفكار وللأحداث الجزئيّة والتفاصيل الصغيرة والمشاهد والمواقف والحالات، وأن يحوّلها إلى سردٍ لا يخلو من أهم مقومات القصّ ومن اللغة الشعرية والتكثيف والاختصار، واعتماد المفارقة والدهشة والإرباك والسخرية. فالحكائية والفنية والإيجاز الشديد والتكثيف تلك هي أهم المواصفات.

سند نظري

• روايتك الأولى «تحت سماء تحترق» هل هي محاولة لرصد عالمنا العربي المتشظّي بسبب الموروثات الفكرية والفهم الخاطئ للدين أم فضح لممارسات الإرهاب فقط؟

– هذه الرواية حاولت أن تفكّك البنية العقائديّة لتنظيم داعش وأخواته، وأن تكشف بحياديّة ممارساته الوحشيّة على أرض الواقع في سورية والعراق من خلال بحث استقصائي تقوم به صحافية بريطانية. فهي قراءة مخصوصة من قبل «داعش» للدين بالاعتماد على سند نظري فقهي بالأساس، وبناء على تاريخ دموي مغلّف بالدين فالرواية قامت على تلك الثنائية، ذلك أنّ الممارسة ما هي إلا ترجمة لخلفيّة فكرية ما وهذا ما فعلته في روايتين جديدتين تناولتا موضوع الاغتيالات السياسية في تونس باعتبارها إرهاباً.

• هل توافقني الرّأي بأنّ «داعش» تحديداً خلق موجة من الأعمال الأدبية الموازية لفضح هذا التنظيم الإرهابي، وهل يكفي سلاح الأدب والفكر لمواجهته؟

-نعم، «داعش» خلق موجة من الأعمال الأدبيّة تدينه وتفضح ممارساته، وتكشف عن أصوله الفكرية التكفيرية، وعن تمويله. غير أنّ ذلك لا يكفي فلا بد من مشروع تربوي وثقافي، عربي إسلامي تنويري يؤسّس لإنسان متصالح مع هويّته ودينه، ومتسامح مع الآخر، في كنف مجتمع مدني تعدّدي ينبني على الاختلاف والتنوّع والحوار.

الاستنساخ والرقميّات

• ما العمل الأدبي الذي يستغرق وقتك راهناً؟

– بعد أن أكملت ثلاث روايات حول موضوع الإرهاب أشتغل حالياً على رواية خيال علميّ خلاصتها فناء الأرض في زمن آخر بسبب حرب نوويّة، ونجاة ثلّة من العلماء استطاعوا العودة إليها لاحقاً ليقيموا في جزيرة نائية، ويعيدون بناء حياة متطوّرة تقوم على الاستنساخ والرقميّات فينشأ مجتمع مختلف تماماً عنّا في أسلوب حياته وأساطيره ودياناته وبنياته الجسدية والفكرية وعلاقاته بالطبيعة إلى أن تنشب حروب أخرى تنجم عنها قيامة ثانية.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا