هيام الفرشيشي : النخبة لم تقدم لنا إلا أزماتها و«دكتاتوريتها»

دسمان نيوز – في أعمالها المتنوعة بمجال القصة القصيرة والرواية والنقد، فضلاً عن دورها الثقافي، تنشغل الكاتبة التونسية هيام الفرشيشي بالقضايا المجتمعية، والبحث عن العدالة والمساواة والحياة الكريمة. وتشغل الفرشيشي منصب رئيسة «بيت السرد» التونسي، كما أسست مؤخراً «بيت الفكر والإبداع»، لرصد الإشكاليات الأدبية للمبدعين من مختلف الأجيال. وحول أعمالها، ومسيرتها، ودورها الثقافي، وأحدث إصداراتها، كان لـ «الجريدة» معها الحوار التالي:

• ما منطلقاتك الأولى لدخول الساحة الأدبية؟

عالم التخيل هو ما دفعني الى عالم الأدب، حيث كانت الحكايات تتشكل في ذهني وتنسج عوالمها منذ الصغر، ولكنها كانت مجرد ارتسامات. والتنوع في المشاهد والسمات الثقافية والحركة من المحددات الأولى للتخيل، وقد تغذيت بالمطالعة والاطلاع على التجارب الأدبية التونسية والعربية والعالمية، إضافة لقراءة الانسانيات ونظريات الفن والجمال إلى جانب مراجع فكرية متنوعة، ثم التحقت أيام الدراسة الجامعية بنادي القصة في الوردية أعرق النوادي الأدبية، حيث لم أكتف بقراءات نصوصي ضمن ورشة النقد، بل قمت بقراءات للأدب التونسي وتحاورت مع أهم رموزه، وعدت إلى خصوصيات الأجيال الأدبية التي سبقتنا.

عمق الذات

• كاتبة قصة قصيرة، وروائية، وناقدة، وصحافية أين تجد الكاتبة هيام الفرشيشي نفسها؟

الصحافة الثقافية هاجس لمراودة الإبداع، وخاصة الأدب، والشعر ومشاغل الفكر، فهي من صميم بحثي في تجليات الإبداع، وارتباطه بالحراك الاجتماعي والثقافي، وهو “تنافذ” بين الذات والموضوع في تناول القضايا المشتركة، لهذا لا انفصام بين الإبداع الذاتي، والكتابات الصحفية، سيما أنني أحبذ العمق في التناول، وبناء صورة متكاملة عن المواضيع، وبلغة جمالية تقدم العمل في صورة جيدة، أما عن كتابتي الأدبية فهي تصوير لسرديات الذات في تفاعلها مع الواقع.

• “خيال الموج” مجموعتك القصصية الصادرة منذ أيام… نود إلقاء الضوء على أهم ما تتضمنه؟

“خيال الموج” هي المجموعة القصصية الثالثة بعد “المشهد والظل” و”أوشام سرية”… تدور أحداثها في فضاءات مدن بحرية متنوعة أثرية قديمة وأخرى صناعية أو “غابية” أو جبلية في علاقة مع الوافدين من وراء البحار. وكان موج البحر بايقاعه وهديره ولوحاته وشعريته هو المعبر عن اندفاع السرد من اللاوعي الخلاق.

واتخذ الموج دلالات تتراوح بين الجانبين الإيجابي والسلبي، فهو ينفتح على الحلم وعلى الحركة المتدفقة الحية دائما، إذ يمنحنا طاقة الضوء ويمثل شكله المندفع المتموج سرديات تندفع من العمق إلى السطح.

إلا أنه يحتوي داخله على موجات تؤثر على حركة ارتفاعه الصاخب العاصف، تمثل علاقتنا مع ذلك الآخر القادم إلينا في رحلة الهيمنة والاستغلال منذ التاريخ القديم وإلى الآن يجدد أشكال طمعه في ثرواتنا وتهريبها مثل تهريب الآثار والكنوز والاستعانة بعصابات ارهابية يدمجها بعقائد متطرفة لتنفذ مخططاته بسهولة، فتحضر شخصيات أجنبية وأخرى محلية، وبذلك يمثل الموج ازدواجية اللاوعي المندفع من الأعماق وطاقة مقاومة صخبه وارتفاعه وعواصفه المدمرة.

أزمة النخب

• في قصة “الخروج من الدائرة” تخاطبين الرجل… ما الرسالة التي أردت توجهيها للقارئ؟

الخروج من الدائرة نص قصصي صدر في مجموعتي الأولى “المشهد والظل” التي تدور أحداثها في فضاء جبلي يحده النهر، تظهر فيه شخصية أستاذ الفلسفة الذي يمارس هواية صيد العصافير وإلقائها في المزبلة بما في ذلك الغربان المنقضة على فراخ الدجاج يصوب النار نحوها، ويتسلى بذلك الصيد الثمين… فالفضاء يتجاوز بعده الجمالي الأمومي، ويتحول إلى مكان حربي متوتر يعكس أزمة الفكر في تعامله مع الواقع، كما يعكس انسداد الأفق في توجيه الاتهامات للسماء، وكبت الكائنات الحرة، والتعسف عليها من طرف من يدعون أنهم نخبة تنويرية لم تقدم لنا إلا أزماتها وكبوتها والتوتر، والتأسيس لدكتاتورية متطرفة تعرض نفسها كبديل لدكتاتورية أخرى. وقد تأكدت هذه النظرة بعد الثورة أمام تشكل الفكر الاقصائي الذي ينحرف عن الرؤى والجمال إلى القبح، وغياب المشروع الفكري.

خصوصية السرد

• بالحديث عن المشهد الثقافي العربي في الوقت الراهن هناك من يطالب بالعودة إلى الماضي لتأسيس رؤى فكرية مستقبلية جديدة… برأيك أين يتجه المسار الثقافي في هذا الإطار؟

العودة للتراث الأدبي والفكري العربي مهم لمزيد من البحث ونفض الغبار عن جواهر الماضي وما قدمته للثقافة الإنسانية، ونحن ندرك كيف أثرت “حكايات ألف ليلة وليلة” في التجارب الأدبية في أوروبا وأميركا اللاتينية. وكيف تحولت حكاية “حي بن يقظان” لابن طفيل إلى قصة استلهمت منها قصة روبنسون كروزو لدانييل ديفو وكيف أثر كتاب كليلة ودمنة على أدب الحيوان عند جون دي لافونتين، وكيف استفادت التيارات الرومانسية في انكلترا من ترجمة تراث الشعر العربي، وكيف استفاد العلاج النفسي للجنون من كتابات ابن سينا.

العودة للنبش في الماضي مهمة، ولكننا بحاجة للانفتاح على الثقافات الأخرى التي تؤسس لقيم الحرية والجمال والسلام والمساواة واحترام الذات دون أن نفقد هويتنا أو نذوب ونتشظى.

النص الأدبي

• ترجمت إبداعاتك إلى لغات مختلفة… كيف تنظرين إلى أعمالك وهي تخاطب لغة أخرى؟

لا يسعى الآخر لاكتشافنا من خلال الصور الاجتماعية، والخصوصيات الثقافية التي يشي بها النص فحسب، وإنما يتوغل في نسيج النص الأدبي،وتركيبة الشخصيات وجمالية اللغة، والذات الكاتبة وأفكارها المجددة وطاقات خيالها، ويتذوق النص وينغمس في بعده الوجودي. ومخاطبة أعمالي للغة أخرى هي تجسيد جمالي لها واندماج فكري وروحي معها.

المشهد التونسي

• إذا سألنا عن تقييمك للمشهد الأدبي التونسي – العربي فبم تجيبين؟

المشهد التونسي كما العربي في صلب الحراك الاجتماعي والسياسي، تهشم الذات العربية. وهو يعكس هذا التوتر في العلاقات بين الذات والموضوع كانعكاس لحالة الشحن بين الإخوة الأعداء، كما يتوغل أكثر في المحظور لكشف الواقع على حقيقته، ضمن جماليات لا تخفى، ولكن قضاياه النقدية منشغلة بإشكاليات قديمة لا تواكب ما يزخر به من تجديد وتجريب.

بيت السرد

• قمت بتأسيس “بيت السرد”… كيف تنظرين لهذا المشروع الثقافي منذ إنشائه؟

أسست “بيت السرد” في مدينة بن عروس الموجودة في الضاحية الجنوبية للعاصمة والتي تفتقد للنوادي الأدبية والحراك الأدبي، وكانت غايتي من تأسيس النادي رصد الإشكاليات الأدبية التي أفرزتها مرحلة ما بعد الثورة ورصد المشاغل الفنية المشتركة التي ميزت مدونة الأعمال الأدبية والشعرية لمبدعين من مختلف الاجيال، ولئن انطلقت في البداية من عرض اشكاليات نقدية بتوسع مثل أنماط الكتابة المختصرة والتجريب والتجديد في القصة، والحلم والواقع، والصورة الفنية والشخصية المركبة، وتجليات الذاكرة في العمل الأدبي، إلا أنني انتقلت بعد ذلك لتناول علاقة السرد بمختلف الفنون، من علم النفس الابداعي، وتجليات المقدس والمدنس في الأعمال الأدبية في فترة خرجنا فيها من المقدس السياسي إلى مقدسات أخرى تعددت سياسيا واجتماعيا وثقافيا ودينيا وأثرت على النصوص السردية، ثم تناولت ملامح الأدب العجيب المعاصر، والإشراقات الإبداعية، وأدب الحلم، وأدب المنامات، وصور الكائنات الأسطورية في السرد، وأدب الكوابيس، وأدب الجنون.

وقد فتح البيت لأسماء بارزة في المشهد الأدبي والشعري التونسي وأخرى من الجيل الجديد التي بدأت تؤسس لحضورها الثقافي.

• وماذا عن أحدث مشروعاتك؟

انتهيت من كتابة رواية “أطياف ومرايا” وهي رواية تعقب الشخصيات لتعقب الواقع المتغير في آن واكتشاف مناخات مرعبة حينا غريبة أحيانا، في فضاءات طبيعية وأثرية وفي مدن تونسية منفتحة على البحر وحضارات متعددة، وتحديدا في الشمال التونسي… في مزج واضح بين الواقعي والمتخيل.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا