قصة قصيرة ،، رقصة السامري .. والسامبا والتانغو

في إحدى مساءات فصل الشتاء الباردة من شهر ديسمبر، بدأت شمس غروب الأصيل تفقد بريقها الذهبي لتتحوّل تدريجيا إلى لونها البرتقالي الأقل إضاءةً، وتراءت لي لوحة فنية سبحان من أبدعها، وكأنما هناك فنان على سلّم متنقل يحمل فرشاته وأصباغه ويلّون صفحة السماء الزرقاء ليحوّلها إلى لوحة خلابة تتداخل فيها ألوان الغيوم البيضاء وإضاءة الشمس الصفراء وطيور تسبح بعيدا في الفضاء.


في هذا المساء الجميل، ركبت سيارتي المتهالكة وانطلقت مغادراً مدينة الجهراء سالكا طريق الدائري السادس ومتوجهاً إلى أحد الأندية الثقافية في منطقة السالمية، وأنا مستمعٌ في سماع أغنية طلال سلامة (ما أحسب إنه يموت الحب.. هذا محال)، وتابعت مسيري إلى أن وصلت إلى إشارة المسيلة، ومن ثم انعطفت يساراً عبر شارع البلاجات وشارع التعاون المطل على بحر السالمية، وما إن وصلت إلى منتج “واحة النخيل” الذي أقيمت به تلك الندوة المقصودة حتى أفلت شمس ذلك اليوم، وغسق المساء، وظهرت النجوم تتلألأ في صفحة السماء.


تعمدت أن أركن سيارتي بعيداً عن مكان الأمسية الثقافية، وترجلت ماشياً حتى وصلت المكان، فدخلته وجلت النظر في أرجائه، كانت خيمة بلا أروقة، قد أعدها القائمون على تنظيم الأمسية في مكان واسع في الفضاء، أما محتوياتها فكانت مجموعة من الكراسي البيضاء مرتبةً بشكل بيضاوي لافتاً للنظر، وفي الزاوية الأمامية كرسي مختلف خلف طاولة صغيرة يعتليها “ميكروفون”.


دقائق قليلة مرّت حتى أعلن عريف الندوة بدء المحاضرة التي دارت حول مظاهر التجديد في الشعر العربي المعاصر، ومما لفت انتباهي قيام إحدى السيدات الفاضلات والتي ترتدي عباءة لف وحجاب، وبدت لي كأنها أميرة الأميرات، أمعنت النظر إليها وكلي إعجاب وحب لشخصيتها، وكانت المفاجأة أنها وقفت للمشاركة في إبداء رأيها في ما يدور من نقاش وحوار حول موضوع الندوة، وما إن وقفت حتى فتحت عباءتها اللف وظهر من تحتها لباسها الأنيق المكون من بنطلون جينز أزرق “ليجنز” وتيشيرت رمادي، وتوجهت حيث المنصة وهي تلبس كعباً قد أثار مسامع الحضور بدقات صوته الموزونة على الأرض وكأنه سيمفونية “موزارت”، وهي تتبختر بخطواتها حتى أخذت مكانها خلف الميكروفون، وواجهت الجمهور وجهاً لوجه، وتحدثت بلهجة بدوية ترقق القلوب وتسحر الأذهان والألباب والعقول.. فزاد إعجابي بشخصها وبجميل حديثها، فأحببتها ولا أعلم من هي ولم أقتنع بما تقول!!
انتهت الندوة النقاشية في موعدها المقرر، حاولت أن ألتقيها لأبدي اهتمامي بها، ولكنها غابت في زحام الناس، ولم يكن هناك مجال للحديث معها.


توجهت إلى سيارتي التي سبق أن ركنتها بعيداً عن مكان الندوة، وعدت أدراجي إلى حيث مدينتي الجهراء الحبيبة، وطوال الطريق وأنا أفكر بها، وأفكر كيف أعترف بإعجابي وحبي لها، وفجأة رنّ هاتفي النقال، طالعت الشاشة، إنه رقم غريب غير مسجل بهاتفي رددت عليه:

  • ألو….
    فرد من الجهة المقابلة صوت ملائكي:
  • مرحباً أحمد .. معك سارة .. أين اختفيت؟
  • أهلاً سارة (وإذْ بها الفتاة نفسها التي حاضرت بالندوة).
    فأخبرتها أنني في الطريق إلى مدينة الجهراء، فطلبت مني الرجوع إلى مقر الندوة.. وافقت، ولكن خشيت من أن تعرف نوع سيارتي، قلت لها:
  • حسناً، انتظريني في مقهى ستاربكس في منتج نادي النخيل.
    فعدت أدراجي وركنت سيارتي بعيداً كما فعلت الندوة، ثم ترجلت ماشياً فدخلت المقهى، وإذْ بها تجلس بالقرب من النافذة، فألقيت عليها التحية وجلست أمامها، وكلانا على مرأى من المارين في الطريق.
    بداية شعرت بالخجل، ولكن جمالها وثقتها بنفسها شجعني أن أتحدث إليها بكل أريحية حديث الواثق من نفسه، والمجالس لأجمل فتاة في المقهى:
  • سارة!!
  • لبيه.
  • أنا في قمة السعادة في جلوسي معك.
    وباشرت أحدثها حول جمالها، متغزلاً فيها وفي قوامها الممشوق وأنوثتها ودلعها الجذاب، واسترسلت في الحديث ناسياً نفسي، لدرجة أنني كدت أن أخبرها أن وزنها يزيد قليلاً أو ينقص عن خمسين كيلو غرام لشدة اهتمامي بتفاصيلها، فأجابت:
  • لم تسألني عن الندوة، وما قدمت فيها من أفكار واهتمامات في الشعر العربي المعاصر؟
    فرددت عليها:
  • أكثر ما لفت انتباهي هو جمالك ولهجتك، وأما ما تطرقت له من أفكار التنوير والتغريب التي تهدف إلى نسف موروثنا العربي الأصيل، ونسف كتب التراث جميعها، الصحيح منها والمغلوط من دون مرجعية علمية، فكل هذا بصراحة لم يعجبني – يا عزيزتي.
    فقالت:
  • هذا أدب، ولم نتطرق إلى الدين!!
    أجبتها بحماس أكثر:
  • الموروث يشمل الأدب والدين والاجتماع والثقافة، فهم الهوية التي ننبثق من خلالها إلى العالم وليس بالشعر فقط، فمثلاً؛ فن السامري والعرضة والفن البحري والصوت هم من هويتنا الكويتية، فلماذا نقول أن فن التانغو والسامبا هما التطور والحداثة وننسف موروثنا؟ ولماذا البرازيليون لا يلعبون السامري والعرضة والفن والبحري؟
    ما تفوهت به بالندوة – يا عزيزتي – هو تقليد للغرب وليس حداثة، وكذلك الشعر، فنحن نجدد الشعر مع المحافظة على الموروث من لغة ونحو وعروض وصرف وغيره من فنون كتابة الشعر.
    لذا، لا يجب علينا أن ننسلخ من موروثنا أو من كتب التراث حتى نكون تنويريين، فالتنوير الحقيقي هو إضاءة واستشراق ثقافتنا وإخراجها للعالم بالشكل الذي يليق بها، لا أن نستبدلها بثقافات أخرى، فنحن امتداد لأجيال سلفت وأساس للأجيال المقبلة.
  • فجأة جاء النادل يخاطبني أن أطلب شيئاً، وما إن نظرت إليه حتى استوعبت أنني أجلس وحدي ولا أحد يقابلني، بل أحلم أن سارة تجالسني وأنا أهذي بجمالها، لاشك أنني أعاني من انفصام في شخصيتي.
  • عندها، غادرت المكان مبتعداً، واستقللت سيارتي متوجهاً إلى مدينتي الجهراء، وإذْ بهاتفي يعاود الرنين، فضغطت زر الاستقبال، وإذا به صوت ملائكي (ألو أحمد معاك سارة).

القاص: فيصل سعود العنزي

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا