علاء الجابر: تعلُّقي بمجلة العربي في طفولتي وشبابي ساهم باتساع آفاقي

“دسمان نيوز – وما الدنيا إلا مسرح كبير”، تلك العبارة الراسخة التي قالها ذات يوم عميد المسرح العربي يوسف وهبي تلخص الحال التي يعيشها الكاتب العراقي المقيم في الكويت علاء الجابر، فقد اكتسب خبراته في عالم “أبوالفنون” من واقع ترحاله الدائم بين عواصم العديد من الدول العربية والغربية حتى صار واحداً من أهم صناع هذا الفن الأصيل. وفي حوار مع “الجريدة” من القاهرة، قال الجابر إن مرحلة ما سُمي “ثورات الربيع العربي “أثّرت سلباً في المسرح العربي الذي بات متذبذباً باستثناء مصر”، معرباً عن قلقه من زيادة المهرجانات الافتراضية التي فرضت وجودها جائحة كورونا… وفيما يلي نص الحوار:

• عراقيٌ درست في مصر وهولندا وتقيم في الكويت… كيف أثرت تلك البيئات الثقافية المتنوعة تجربتك الإبداعية؟

– حين تذكر مصر والعراق فأنت تجمع بين حضارتين عظيمتين لهما أشد الأثر في شخصيتي، ففي مرحلة الطفولة تعلقت كثيراً بغزارة وجودة إصدارات دار ثقافة الأطفال في العراق، مما أسهم في غرس بذرة الاهتمام بثقافة الطفل في داخلي، كما أن المشهد الثقافي العراقي الغني بالفنون والآداب لا يزال يصيغ الجزء الأحب من ذاكرتي البعيدة، أما مصر فبالنسبة إليّ هي الوهج الأول في عشقي للسينما، حيث كنت مشغوفاً بمتابعة الأفلام والأغاني بنجومها ومبدعيها، وعاشقاً للمسرح بعمالقته وانفتاحه على الثقافات الآخرى وهكذا متابعتي للفن التشكيلي، واقتنائي المطبوعات، وخاصة الرواية والقصة، مما أسهم في تشكيل شخصيتي منذ البداية.

أما الكويت فهي المربع الذهبي المليء بالدهشة، في مرحلة الطفولة المتأخرة والمراهقة والشباب، عبر حياة زاخرة بالمتغيرات السريعة على جميع المستويات، حيث الانبهار الثقافي والتعلق الشديد بمجلة “العربي” وسلسلة “المسرح العالمي” و”عالم المعرفة” التي أسهمت في اتساع آفاقي الضيقة حينذاك، من ثم ارتباطي بالصحافة بتنوعها وجرأتها، فأزهر حسي الصحافي وجعلني وبدعم كبير من الأحبة والزملاء أن أكون أحد العاملين في بلاطها لسنوات طويلة.

والإصدار الرائد لمجلة الأطفال “سعد” أسهم في تشكيل وجداني وجعلني أصدر أول قصة للأطفال التي تلقفتها بحب الدكتورة كافية رمضان وقررتها على طُلابها في الجامعة، وكان هذا من أول إنجازاتي، التي تراكمت بعد ذلك فمنحتني رصيداً أهّلني للعمل كباحث في مراقبة الطفل بالمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، ومن ثم المجالين المسرحي والتلفزيوني، مقدماً العديد من المسرحيات التي لاقت قبولاً فاق توقعاتي، وهكذا الأمر حين عملت في التلفزيون الكويتي لأكثر من 10 سنوات في برنامج “تلفزيون الأطفال” الذي كنت أحد مؤسسيه، ونجح بصورة مذهلة وأنتج نجوماً في جميع المجالات.

أما هولندا فقد احتوتني في مرحلة مهمة من حياتي ومنحتني الأمان، وأسهمت في فتح عيني على جمال الطبيعة والتعدد الإنساني، والتقدم الأوروبي في مجالات الفنون، وخاصة المسرح والفن التشكيلي العريق، وأكدت ترسيخ مفهوم التنظيم والترتيب والجدية والحزم والدقة في شخصيتي. وأضف لهذه القائمة، لبنان الذي ارتبطت به في أول شبابي بانفتاحه الثقافي الهائل، وأميركا التي شكّلت لي ولزوجتي سعداء العالم الآخر المختلف في كل شيء، ما زوّدني بخبرات هائلة ومغايرة تماماً.

العروض المصرية

• تعتبر مصر رائدة المسرح عربياً، إلى مدى استفدت من فترة وجودك على أرضها طالباً؟

– تستحوذ مصر على الجزء الأكبر من عاطفتي، لتأثيرها الكبير في المستوى الشخصي، علمياً وعملياً، في المسرح تحديداً والفن عموماً، حيث تسكن العروض المصرية ذاكرتي المسرحية، إذ لازلت حتى اليوم حين أذهبُ إلى أي دار عرض، أتأمل أبوابها، وممراتها، وأشم رائحة جدرانها، وأستدعي ذكرياتٍ بعيدة جميلة، حين كنت أتردد فيها على دور العرض من دون انقطاع وحفزني وشجعني على ذلك رخص التذاكر في مسرح القطاع العام، وجلوسي بعد العرض رفقة الأصدقاء، لأختم يومي بابتسامة من ممثلي أو ممثلتي المفضلة، أعود سعيداً بعدها إلى سكني محملاً بجوهر الحياة الثقافية والفنية القاهرية، ومازلت أستعيد ذكريات اقتناء مجلة “المسرح” التي كنتُ ومازلت أحتفظ بكل أعدادها حتى القديمة منها، وسلاسل المسرح العالمي على تنوعها الغزير، التي كنت أتلقفها من المكتبات القديمة في أحياء الأزبكية والسيدة والأزهر وشارع النبي دانيال بالإسكندرية، كما لا يغيب عن ذاكرتي أبداً برنامج الإذاعة المصرية الذي كان يقدِّم أشهر المسرحيات إذاعياً، وكنت أحرص على متابعته بأصوات كوكبة رائعة من فناني المسرح العظام أمثال سميحة أيوب وعبدالله غيث وكرم مطاوع وعبدالرحمن أبوزهرة.

كل هذه الهبات التي منحتني إياها مصر وأهلها بكرم لا محدود أسهمت بشكل رئيس في هذا الشغف الذي ربطني بالمسرح ولا يزال.

الربيع العربي

• كيف تقيِّم مستوى المسرح العربي راهناً، وما سُبل دعمه كوسيلة ثقافية وتوعوية مهمة للمجتمع؟

– مستوى متذبذب، تأثر كثيراً بالأحداث التي تبعت ما يُسمى بثورات الربيع العربي، حيث تراجعت الدول عن دعم المسرح، وسادت ثقافة الاستهلاك التي أسهمت في ظهور الكثير من الشوائب على خشبات المسارح، وأعتقد أن الوضع سيسوء بعد هذه الجائحة، نعم هناك محاولات حثيثة للنهوض بالمسرح خصوصاً محاولات الهيئة العربية للمسرح، وانطلاق مارد المسرح المغاربي والتونسي تحديداً، والمهرجانات العربية إجمالاً، إلا أن الوضع يبقى متذبذباً في معظم دول المنطقة، باستثناء مصر التي للمسرح فيها رسوخ يؤهله لأن يعيد تشكيل نفسه مهما مرت عليه من متغيرات.

الأعمال العربية

• أيهما أهم: تعريب الأعمال الغربية الرائدة ونقلها إلى المسرح العربي أم تقديم أعمال عربية خالصة؟

-كلاهما بالأهمية ذاتها، ولا غنى لنا عن أي منهما، فالأساس الغربي الذي شيّد أعمدة المسرح عامة لا يمكن الاستغناء عن رصيده، والأعمال العربية التي شكلت اختباراً حقيقياً نجح فيه الكثير من الفنانين العرب الذين رسموا بصمتنا وطابعنا الخاص.

جانب سلبي

• وأنت أحد منظميها، ما أهمية الورش المسرحية في تعزيز انتشار “أبوالفنون”؟

-الورش لها جانبان، أحدهما إيجابي حين يكون المدرب قادراً على قيادة حقيقة لورشةٍ تُعلِّم وتُنتج محترفين حقيقيين، وجانب سلبي حين تكون محاولة للاسترزاق أو الإضافة للسيرة الذاتية بينما يعاني المدرب ذاته ضعفاً فنياً ومعرفياً، فالمدرب الحقيقي تقاس أهميته بوعيه وثقافته وقدراته الفنية وحجم التأثير الذي يخلفه في الآخرين.

صورة افتراضية

• في زمن كورونا وإغلاق المسارح، هل يعني ذلك أن المسرح لا يمكنه مواكبة الحدث مثلما الحال بالنسبة إلى الـ”سوشيال ميديا”؟

– هناك محاولات حثيثة ومشكورة من بعض محبي المسرح للإبقاء على جذوة المسرح في ظل هذه الظروف العصيبة بصورة افتراضية، إحداها “المهرجان الدولي الإلكتروني الأول لمسرح الدُمى والعرائس”، الذي أقامته جامعة البصرة أخيراً، وشاركتُ فيه كرئيس للجنة المشاهدة، لكنني أخشى من كثرة وسيادة هذا النوع من المهرجانات الافتراضية من دون إمكانيات حقيقية، أو مسرح حقيقي لا افتراضي بحجة الظروف الحالية.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا