عبدالله السالم: أنا صديق بريطانيا ونود بقاءها لكني أعمل ما أشاء لمصلحة الكويت

دسمان نيوز – أهم مكسب استطاع الشيخ عبدالله السالم انتزاعه وتحقيقه في وقت مازالت الكويت فيه تحت الحماية البريطانية هو تعهدها بأنه “عندما تنشأ أمور ذات تأثير على مصالح الكويت بينها وبين الحكومات الأخرى، ستقوم باستشارة الأمير ولن ترتبط بأية تعهدات لها علاقة بتلك الأمور إلا بعد استشارة سموه”.

أثناء تلك المفاوضات التي تمت بين عامي 1958 و1959 كان الأمير يحرص على إرسال تقرير إلى المجلس الأعلى (يشبه صلاحيات مجلس الوزراء) يطلعه فيه على نتائج اللقاءات، ويطلب من أعضائه المشورة وإبداء الرأي.

وفي الحلقة الثالثة من هذه السلسلة، التي تنشر في الإصدار الخاص بمركز البحوث والدراسات الكويتية “رسالة الكويت” لشهر يونيو 2020، أورد المذكرة الصادرة من سكرتير الحكومة إلى المجلس الأعلى يبين فيها مضمون اللقاءات التي تمت في النصف الثاني من عام 1958. وكان الغرض الرئيسي من المباحثات الاتفاق فيما بين الكويت وبريطانيا على أن التغييرات في وضع الكويت بما يكون في مصلحتها ويحافظ في الوقت نفسه على جوهر الصداقة والعلاقة القائمة بينهما.

أمعنوا النظر بهذه النقاط

في هذا المحضر، تم إيجاز وجهة نظر سمو الحاكم الشيخ عبدالله السالم بعدد من النقاط، على أمل الوقوف على رأي أعضاء “المجلس الأعلى” وجاءت على الشكل التالي:

1- هل تتبنى الكويت سياسة الانطلاق والخروج عن قيود معاهدة 1899م؟

2- إذا اختارت الانطلاق، فهل يكون التمثيل القنصلي للبلاد الأخرى في الكويت مقصوراً فقط على الدول العربية؟ أم يكون أوسع قليلاً بحيث يشمل أيضاً تلك البلاد التي لها رعايا كثيرون في الكويت، مثل إيران والباكستان والهند واليابان؟ أم يكون التمثيل حراً لكل قُطر له مصالح مشتركة مع الكويت؟

3- هل تنضم الكويت عضواً في الجامعة العربية؟

يلاحظ أصحاب السعادة أعضاء المجلس الموقر أن صاحب السمو في محادثاته طلب إلى حكومة بريطانيا ما يلي:

1- تأكيد الحكومة على العلاقات بين البلدين، وقد تسلم سموه التأكيد على صورة كتاب من السير برنارد باروز المقيم السياسي السابق في الخليج.

2 – التفكير في فائدة انضمام الكويت للجامعة العربية، وفي موافقة سموه على فكرته في الانضمام، أما من جهة انضمام الكويت إلى المواثيق الدولية فقد قرر صاحب السمو حفظه الله انضمام الكويت لتلك المواثيق باعتبارها دولة مستقلة، واتباعاً لقراره أرسل الوثائق اللازمة لدخولها في مواثيق الملاحة البحرية الدولية، كما أن الترتيبات تجري لدخولها عضواً في منظمة المواصلات البرقية الدولية.

اجتماعات قصر السيف

وفي الرابع من يناير 1959 زار صاحب السمو في مكتبه، المقيم السياسي البريطاني (دار الاعتماد) وتطرق الحديث إلى تأخير زيارة المقيم السياسي إلى الكويت لشهر نوفمبر واقترح الأمير أن يعطي جورج ميدلتون فرصة بأن يتعرف إلى مختلف أحوال الخليج والعراق حتى يستطيع تفهم الأوضاع والظروف أكثر.

ثم تحدثت المحاضر عن اجتماع الخامس من يناير 1959 في قصر السيف عندما اجتمع المقيم السياسي يصحبه معاون المعتمد وإسرائيل في مكتب الأمير وحضور كل من أشرف وبدر ودار النقاش حول انضمام الكويت إلى الاتفاقيات البحرية الدولية وانضمامها إلى منظمة المواصلات العالمية وعلاقات الكويت الخارجية ورأي حكومة جلالتها بشأن هذه الأمور.

على المقيم أن يفهم ذلك

وهناك شرح موسع حول تلك الموضوعات، لكن ما يستوقف القارئ تلك الرؤية التي كانت عند الشيخ عبدالله السالم عندما لخص وجهة نظره بالقول: “أنا صديق لبريطانيا، وبريطانيا صديقتي، ونحن راضون عن وجود العلاقات الحالية بيننا، ونود بقاءها، وأنا أعرف أنني إذا أردت فيمكنني عمل ما أشاء في مصلحة بلادي، ولكنني لا أفعل قبل التشاور مع حكومة بريطانيا، حرصاً مني على المصلحة المشتركة والتعاون على تحقيقه” فعلق المقيم على ذلك “بأنه يفهم هذا تمام الفهم، وأن كتاب التعهد يضع في الواقع تحديداً صريحاً للموقف، وكل ما تحتفط به بريطانيا لنفسها هو حق الصداقة التي تجعل من الضروري التشاور بين الفريقين”.

شملت المحاضر عدداً آخر من اللقاءات من بينها اجتماع قصر السيف بتاريخ 7 يناير 1959 واجتماع 15 أبريل 1959، وتطرقت إلى العلاقات مع العراق وموضوع النفط في فنزويلا .

ولعل المحطة الجديرة بالتوقف عندها، تلك الانتقادات والملاحظات التي كان سمو الحاكم يبديها تجاه الطريقة التي تدار بها المراسلات والتوصيات الخاصة بالمقيمين والمعتمدين الإنكليز وعلاقتهم بلندن والآلية المتبعة!

وفي هذا المقام، انتقد الأمير الشيخ عبدالله السالم سياسة التسويف والبطء في العمل، وأوضح أن بريطانيا لا تتخذ اللازم عندما تبدأ خطورة الأمر تتزايد، بل إنها تتريث وتتمهل إلى حين تجد نفسها مضطرة إلى العمل، بعد أن يكون قد استفحل الأمر. فقال المقيم: الحقيقة أن سياسة بريطانيا مبنية على التأني، وقال إنه عندهم مثل يقول: “كلما زاد استعجالك قلَّت سرعة تقدمك”. فقال الأمير: “قد يحسن تطبيق هذا المثل في بعض الأمور، وليس في كلها”.

وأشار صاحب السمو إلى الجواب المنتظر من مستر “مكملان”، وأبدى مخاوفه من أن يكون التأخير ضاراً بالقضية، فإن رجال لندن – حتى المقيم والمعتمد – لا يرون ما يرى سموه وما يسمع، وما يشعر، ولهذا فإنه بالنظر لتجربته الشخصية يستطيع القول إن المسألة لا تتحمل التأجيل.

يعرج أو يحجل

وفي نهاية اجتماع 15 أبريل 1959 أبدى صاحب السمو أن لديه مسألة هامة وخطيرة يود لفت النظر إليها، وهي مسألة الأحاديث التي دارت حول قانون الملاحة البحرية الكويتي، وأعرب صاحب السمو عن أسفه من أن حكومة جلالتها، وفي مثل هذه الظروف الحرجة التي تجتازها، تضع العراقيل المفتعلة أمام صاحب السمو في مسائل يعتبرها تافهة بالنسبة لمسألة الحياة أو الموت التي تجابهها الكويت وبلاد الشرق الأوسط تجاه خطر انتشار الشيوعية، وقال صاحب السمو، إن خير ضمانة لسلامة الكويت هي أن يكون باستطاعة صاحب السمو المشي العادي، وليس أن “يعرج” بسبب العراقيل، وأن حرية التصرف الكاملة إذ تكون لصاحب السمو ستجعل رعاياه يلتفون حوله ويناصرونه في كل شيء يقوم به، وهذا ما يضمن للكويت أمنها واستقلالها. وبالعكس إذا زادت القيود والعراقيل فإن في ذلك إفساحاً للمجال للعناصر الأخرى لبث دعايتها الهدامة.

وفي نهاية التقرير، أبدى الباحث رئيس المركز الدكتور عبدالله الغنيم عدداً من الملاحظات وقدم مجموعة من النتائج، خصوصاً الموقف الصلب الذي كان يتمتع به الشيخ عبدالله السالم وحنكته السياسية وقدرته على المناورة وسعيه الحثيث نحو الاستقلال.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا