الحياة والمحيا بقلم : د. محمد يوسف الهاشل

دسمان نيوز – الجريدة – بقلم محمد يوسف الهاشل – المحن التي تأتي حافلة بالدروس لمن يحسن قراءتها، ومحملة بالعبر لمن يتقن استخلاصها، داهمتنا جائحة كورونا مُردفةً على أثرها تدهور أسعار النفط إلى حضيض لم نعرفه منذ أمد بعيد، ورغم ظلالها القاتمة، فإنها تهب لنا فرصة لرسم مستقبلنا، فعلى مر التاريخ كانت الأزمات حافزاً للتطور، وانتخاباً طبيعياً ينتقي الأقوى ويصطفي الأمثل، ويفرز الغث من السمين، فلا يُبقي في الميدان إلا من يعي عمق التغيّر ويستجيب له بكفاءة مرنة هي اليوم إكسير الحياة والمحيا، لذلك علينا أن نأخذ زمام المبادرة، فنصوغ مستقبل وطننا كما نريد له أن يكون، وذلك على مستويات ثلاثة: الحكومي والاقتصادي والمجتمعي.

فعلى المستوى الحكومي أعادت الأزمة تأكيد حاجتنا الماسة والفورية إلى تطبيق الإصلاحات الاقتصادية والهيكلية، لاستدامة الرخاء للجميع، إذ لم يعد ثمة مجال للتراخي في جهود تنويع الاقتصاد وتقليل الاتكال على النفط، وتقليص هيمنة الدور الحكومي، من خلال شراكة وثيقة مع القطاع الخاص وتفعيل الخصخصة، ورعاية بيئة أعمال جاذبة للاستثمارات الداخلية والخارجية، ومؤسسات حكومية رشيقة الأداء حاضرة المبادرة إلكترونية الوسائل، توجه إنفاقها على نحو يحسن تخصيص الموارد وتحفيز الاقتصاد.

ومع ارتداد الاقتصادات عن نزعة العولمة، وتوجيه قدراتها في القطاعات الحيوية مثل الغذاء والدواء إلى تغطية احتياجاتها الداخلية، نجد أنفسنا أحوج إلى تعزيز شراكاتنا الاقتصادية وتنويع مصادر هذه السلع الاستراتيجية، والحرص على أن تكون البدائل أقرب جغرافياً، وأن نجتهد في جذب استثمارات القطاع الخاص إلى هذه المجالات، بل وتوجيه جزء من الاستثمارات الحكومية إليها، لتعزيز قدرتنا على مواجهة الظروف المماثلة في المستقبل، كما يتعين الاهتمام بقطاع الرعاية الصحية وإعطاؤه ما يستحق من أولوية، في ظل التحولات الكبيرة بفعل الجائحة، التي جعلته ينحو إلى التركيز على الخدمات الطبية الرقمية والمنزلية.

وللقيام بتلك الإصلاحات، على مؤسساتنا التعليمية الاستثمار في البحث العلمي الرصين وإعداد فرسان التغيير، القادرين بفكرهم النير وعمقهم العلمي والتقني على إحراز التطوير المأمول.

أما على المستوى الاقتصادي فسوف تكون الكفاءة المرنة المطلب الأساسي الذي لا مناص من تحققه أولاً على مستوى العقلية الاقتصادية، إذ يجب أن تتحلى بالمرونة وتعتنق التطوير، بما يرفع التنافسية، وينوع النشاط الاقتصادي، ويقود إلى خلق نماذج عمل مبتكرة، خصوصاً في القطاعات الأكثر تضرراً من الأزمة، وإعادة النظر في القيمة التي تقدمها لعملائها، والتركيز على إبداع وسائل جديدة لتلبية احتياجاتهم والاستمرار في تقديم خدماتها حتى في أصعب الظروف.

ولقد أظهرت الأزمة أهمية الكفاءة المرنة للبنك المركزي والبنوك في مواجهة الظروف الضاغطة على نحو فعال ومستقل، حيث عزز نهج السياسات التحوطية الحصيفة، والإدارة الرصينة والمنضبطة للمخاطر متانة القطاع المصرفي، ومكنه من المساهمة في تقديم الحلول، وعليه مستقبلاً أن ينهض بدور أكبر في مسيرة تنويع الاقتصاد، ولذا يجب أن يستمر هذا النهج بما يعزز الاستقرار المالي ويرسخ استمرارية الأعمال، ويخلق بيئة عمل تزدهر فيها التقنيات المالية الحديثة.

وفي تصورنا لاقتصاد المستقبل، سيكون قطاع المشروعات الصغيرة والمتوسطة محورياً لتعزيز ريادة الأعمال، ودعم الاقتصاد الرقمي، وخلق فرص العمل للكويتيين، وهذه المسؤولية تقع أيضاً على عاتق الشركات الكبرى التي يتعين عليها إضافة إلى ذلك قيادة النمو الاقتصادي وتوسيع مساهمتها الاجتماعية.

أما على المستوى المجتمعي فلسوف يزداد الإقبال على ثقافة الإنتاج والادخار والاستثمار، ولسوف نرى كوادرنا الوطنية- التي أثبتت اقتدارها في جميع المجالات- وهي تكتسب مزيداً من الكفاءة. وإذا نجحنا في بلوغ ما ننشده من إصلاحات، فإننا نتوقع خلق طيف عريض من الوظائف لذوي المهارات العالية، بما ينعكس إيجاباً على التركيبة السكانية فيجعلها أكثر توازناً واعتدالاً، فيزداد إقبال العمالة الوطنية على العمل الحر والخاص، وتقل العمالة الهامشية لمصلحة العمالة الماهرة التي تقدم مساهمة نوعية في الاقتصاد.

ومع انتشار ثقافة العمل عن بُعد وتطور البني التحتية التقنية ستزداد فرص تخفيف التركز السكاني لمصلحة توسع النمو الحضري خارج مدينة الكويت، مما يسهل حصول العائلات على سكن يلائم احتياجاتها.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا