سلاسل الإمداد الغذائي العالمي في خطر

دسمان نيوز – يتحدث الاقتصاديون هذه الأيام عن التداعيات متوسطة المدى لأزمة كورونا على مختلف الحياة الاقتصادية وخصوصا الاستهلاكية منها، بعدما قامت العديد من الدول، وتحديدا الأكثر تضررا من تداعيات الفيروس، بتفعيل جانب كبير من عودة الحياة والأنشطة الطبيعية بدرجات متفاوتة من الحذر.

ومع التركيز على الآثار المتوقعة من إعادة فتح الاقتصادات في العالم، من حيث التباعد الاجتماعي والاحتياطات الصحية، والتعويل أكثر على خدمات التكنولوجيا في تسهيل الأعمال والحياة، يأتي الحديث عن المصاعب المتوقعة فيما يتعلق بسلاسل الإمداد الغذائية حول العالم، والتي شهدت مع سياسات الإغلاق منذ بداية هذا العام فجوات أو انقطاعات غير مسبوقة، من المحتمل أن تتشابك آثارها على المدى المتوسط مع الآثار المترتبة بتحديات المحافظة على وتيرة التجارة الدولية، كما كانت قبل الأزمة، والعمل على ضبط تكاليفها والمصاعب التي تواجه عمليات توافر البذور والمواد الزراعية والأعلاف وتنمية الأحياء المائية والمصائد السمكية، فضلا عن تأثر الصادرات الغذائية حول العالم بما قد يتغير في الدول المنتجة من سياسات أمان اجتماعي واقتصادي نحو توجيه الأغذية وموادها الأولية نحو احتياجات الفئات الأكثر فقرا وتوسيع برامج شبكة الحماية الاجتماعية.

أعمق من عرض وطلب

ولفهم موضوع سلاسل الإمداد الغذائية أكثر فإن الأمر ليس مرتبطا فقط بأساسيات السوق كالعرض والطلب، إنما يتعدى ذلك إلى تفاصيل معقدة بعضها لوجستي يتعلق بالنقل والتخزين كأن يتم التركيز على الاستهلاك من المناطق القريبة جغرافيا، وما ينعكس على ذلك من انخفاض في الإنتاج، إما لاشتراطات صحية أو لمحدودية نطاق الأسواق أو حتى لتراجعات في الدخل، وبعضها الآخر يرتبط باحتمال نمو السياسات الغذائية المتحفظة أو “الحمائية”، مثل أن تقوم الدول بشراء إنتاجها الغذائي لحاجاتها قصيرة المدى، كما فعلت دول مثل روسيا والفلبين وفيتنام بشراء حتى الإنتاج الفائض من القمح والأرز والذرة خلال ذروة تفشي أزمة كورونا لتأمين الاحتياجات بصورة طارئة.

صعوبات التوريد

اللافت في مسألة سلاسل الإمداد الغذائية خلال أزمة كورونا أن معظم أسعار السلع الغذائية تراجعت قيمتها خلال الأزمة، لأن المشكلة لم تكن في العرض إنما في الطلب لسلع معظمها لا يمكن الاستغناء عنها في أصعب الأحوال، لكن قابلتها صعوبات أكبر في التوريد، إذ تراجعت أسعار مواد غذائية أولية كالسكر والحبوب واللحوم والزيوت النباتية ومساحيق الحليب وغيرها بشكل لافت، ربما لا يتكرر كثيرا في الأزمات، وهذا يعطي مؤشرا واضحا للدول الغنية، ومنها بالطبع دول الخليج العربي، أن وجود المال لا يضمن دائما تدفق المواد والسلع، ومنها الغذائية، بوتيرة منتظمة خلال الأزمات، إنما ما يوفره هو الأمن الغذائي الداخلي أو على الأقل الإقليمي كأساس يمكن الركون إليه لتجنب حدوث أزمة غذائية ولو لفترة يكون فيها الإنتاج المحلي بمنزلة المصدة التي تخفف من آثار الصدمة لحين ترتيب أوضاع الاستيراد خلال الأزمات.

اختلال

ومن واقع أرقام الأمن الغذائي في الكويت نجد أن بياناته لا تختلف عن أي اختلال اقتصادي آخر، اتسمت به بيانات الكويت الرئيسية كنسبة الاعتماد على النفط أو التركيبة السكانية أو غيرهما، إذ تستورد الكويت سنويا 90 في المئة من احتياجاتها الغذائية من الخارج، وكل ما كانت الكويت تستهلكه بمعدل إنتاج محلي يغطي 70 في المئة من إجمالي الاستهلاك عام 1991 تحول إلى استيراد خارجي بنسب تتراوح بين 70 و100 في المئة عام 2019، خصوصا للمنتجات الغذائية الرئيسية كاللحوم والأسماك والخضراوات والحبوب.

سياسات تحوط

ومع تأكيد أن التوسع في توزيع أراضي الدولة المخصصة للثروة الزراعية والحيوانية، ودعوماتهما لشراء ولاءات سياسية تبينت آثارها السلبية خلال أزمة كورونا على مختلف الأسواق والمستهلكين في الكويت، بل إنها بدلا من أن تكون بيئة لفرص العمل للعمالة الوطنية، تحولت إلى بؤر لتجارة الإقامات واختلالات التركيبة السكانية، لذلك فإن إصلاح هذا الوضع يتطلب رؤية أعمق من سحب الحيازات غير المنتجة -وهو مطلب مستحق- إلى تحديد أهداف استراتيجية لرفع نسبة الإنتاج المحلي من اللحوم، مثلاً من 10 في المئة حاليا إلى ثلث استهلاك السوق أو الإنتاج الزراعي من 15 في المئة إلى أيضا الثلث خلال 5 سنوات وغيرها فيما يتعلق بالإنتاج السمكي والحبوب والمنتجات الطازجة والمثلجة لعمل سياسات تحوط لمواجهة أي اختلال محتمل في سلاسل الإمداد الغذائية، مع الأخذ بعين الاعتبار أن الدعومات التي تقدمها الدولة عن طريق الأراضي أو الأموال تتيح لها أحقية استخدام سياسات “القوة القاهرة”، لفرض إنتاج سلع معينة يحتاجها السوق في ظرف معين، خصوصا للمنتجات الزراعية.

إرادة

بالطبع سياسات تنمية الأمن الغذائي مثلما تحتاج ضوابط فنية كاستخدام أوسع للتكنولوجيا وإدارة المخزون والأبحاث فإنها أيضا تتطلب إرادة سياسية لتعديل ما تم إهماله، فضلا عن تخريبه على صعيد الأمن الغذائي في السنوات الأخيرة، وإلا نضع أنفسنا في مهب مخاطر أي اختلال في سلاسل التوريد الغذائية في العالم التي تتطلب فكرا وحصافة في زمن غيرت به تداعيات كورونا كثيرا من المفاهيم أكثر من مجرد ضخ الأموال لاستيراد ما ينقصنا كما تعودنا في سنوات سابقة.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا