بنك الخليج: الإنفاق الرأسمالي أمر ملح والتنويع هو الطريقة الوحيدة للحماية النسبية من الصدمات المستقبلية في سوق النفط

دسمان نيوز – إن التحول غير المتوقع للأحداث في عام 2020، والمتمثل في تفشي فيروس كوفيد-19 وحرب أسعار النفط، يعني أن الاقتصاد العالمي يواجه ركودًا اقتصاديًا مفاجئًا. وبما أن هذه الضربة المزدوجة قد ألقت بظلالها على الكويت، فإن الانتعاش الاقتصادي سيتطلب إجراءين رئيسيين، أحدهما وجود محفزات اقتصادية هائلة على المدى القصير، وثانيهما التنويع الاقتصادي على المدى الطويل.

أدى تفشي فيروس كوفيد-19 والانخفاض الحاد في أسعار النفط إلى إحداث أثر مزدوج على الاقتصاد الكويتي، مما كان من شأنه وقف جميع أشكال النشاط.

وفي ظل الغموض الذي اكتنف أسواق النفط، فقد ظهرت الحاجة الماسة أكثر من أي وقت مضى إلى تحفيز النمو والتنويع الاقتصادي في الكويت بعيداً عن النفط. وعليه، يتعين على الحكومة اتخاذ إجراءات ضرورية كتوفير الحافز الاقتصادي لإنعاش النمو على المدى القصير والالتزام بأهداف تنويع الاقتصاد على المدى الطويل.

وحسب تقرير صادر عن وحدة البحوث الاقتصادية في بنك الخليج، يتطلب تحقيق التنويع الاقتصادي وإحياء النمو الإنفاق الرأسمالي على المشروعات. وسيشكل انكماش الإيرادات الحكومية تحديات تستلزم ضرورة البحث عن حلول للتمويل.

وقال التقرير إن سوق المشروعات في الكويت شهد ارتفاعًا خلال الربع الأول من عام 2020، قبل أن يؤدي تفشي فيروس كوفيد – 19 إلى توقف النشاط في البلاد. ومع ذلك، وعلى النطاق العام، شهد إرساء المشروعات تباطؤاً في الكويت منذ عام 2015، مع تضاؤل قيمة تلك المشروعات عاماً بعد عام. ومع تسبب الوباء في حدوث اضطرابات كبيرة في سلسلة التوريد، فمن المتوقع حدوث المزيد من الاضطرابات في مجال المشروعات على المدى القريب.

وقد ظهرت على السطح عقبة رئيسية أمام الاستثمار في البنية التحتية في شكل انخفاض بعمليات إرساء المشروعات، وتأخر الدفعات للمقاولين، واختلال واردات القطاع الخاص، وانخفاض الائتمان المخصص لقطاع الإنشاءات، وعدم وجود منحنى العائد السيادي.

وبرزت الشراكات بين القطاعين العام والخاص باعتبارها المسار المفضل لاستقطاب المستثمرين من القطاع الخاص لتمويل المشروعات الكبرى، وتخفيف العبء المالي عن الحكومات، وربما بنفس الأهمية، استقطاب خبرة وكفاءة القطاع الخاص إلى الساحة الاقتصادية. وعلاوة على ذلك، سيتطلب تعزيز تمويل البنية التحتية أيضًا توسيع نطاق المجموعة المرتقبة من المستثمرين والاستفادة من الموارد المالية الكبيرة لأسواق المال. وهذا، بدوره، يتطلب مزيجًا أوسع من الأدوات المالية.

ضربة مزدوجة

إن التحول غير المتوقع للأحداث في عام 2020 والمتمثل في تفشي فيروس كوفيد – 19 وحرب أسعار النفط يعني أن الاقتصاد العالمي يواجه ركودًا اقتصاديًا مفاجئًا. وبما أن هذه الضربة المزدوجة قد ألقت بظلالها على الكويت، فإن الانتعاش الاقتصادي سيتطلب إجراءين رئيسيين، أحدهما وجود محفزات اقتصادية هائلة على المدى القصير وثانيهما التنويع الاقتصادي على المدى الطويل.

التحفيز الاقتصادي

إن المصدات المالية الكبيرة في الكويت وانخفاض نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي والخدمات المصرفية التي تتميز برأس المال الجيد تعتبر عوامل تدعم مرونتها المالية وتعكس قدرتها على التدخل عند اللزوم. ويبلغ إجمالي أصول الهيئة العامة للاستثمار الكويتية واحتياطيات البنك المركزي حوالي 435 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي للكويت.

إن إحياء النمو الاقتصادي يحتاج إلى حزمة من المحفزات القوية والمدروسة جيداً تتضمن تدابير داعمة مثل تأجيل سداد الديون، ودعم الأجور للعاطلين عن العمل، وتقديم الدعم لزيادة الاستهلاك والائتمان للمشروعات الصغيرة والمتوسطة على المدى القريب. وحتى الآن، وافق مجلس الوزراء بالكويت على مشروع قانون لزيادة ميزانية الوزارات والدوائر الحكومية بمبلغ 500 مليون دينار (1.6 مليار دولار) للسنة المالية 2020/ 2021. وتشمل الإجراءات الأخرى إنشاء صندوق مؤقت يسمح بالمساهمات من الشركات والأفراد والمؤسسات، حيث أطلقت البنوك الكويتية صندوقا بقيمة 10 ملايين دينار لدعم الاقتصاد. وعلقت الرسوم والعمولات المفروضة على نقاط البيع، وأجهزة الصراف الآلي والمعاملات المصرفية عبر الإنترنت والتحصيل الموسع للمدفوعات المستحقة.

وسيوفر بنك الكويت المركزي السيولة للبنوك التجارية خلال هذه الفترة. كما أبقى “المركزي” على معدلات الخصم عند مستوى قياسي منخفض يبلغ 1.5 بالمئة. كما تمت زيادة نسبة القروض إلى القيمة للممتلكات.

وسوف ينعكس النقص في الإيرادات النفطية في حدوث عجز كبير في الموازنة. وتوقعت وكالة ستاندرد آند بورز أن يتجاوز العجز الحكومي العام نسبة 10 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2020.

ومع ذلك، وفي سيناريو يشبه وقت الحرب كما هي الحال الآن، فسوف يكون مطلوباً السحب من صندوق الاحتياطي العام، والذي يقدر بنحو 50 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي. وبحسب صندوق النقد الدولي، وبعد التحويلات الإجبارية إلى صندوق الأجيال القادمة، وباستثناء الإيرادات الاستثمارية، ستبلغ الاحتياجات التمويلية التراكمية 57 مليار دينار (189 مليار دولار) على مدى السنوات الست القادمة. وبهذا المعدل، يمكن استنفاد أصول صندوق الاحتياطي العام قريبًا. لذلك، يجب أن يتم تمرير قانون الدين المعدل في الكويت بشكل سريع، حيث يمكن سد متطلبات الموازنة المستقبلية من خلال عمليات الاقتراض الخارجي.

التنويع الاقتصادي

يسلط الوضع الاقتصادي الحالي الضوء على مشكلة معروفة منذ زمن طويل في الكويت، وهي اعتمادها المفرط على الإيرادات النفطية. وقد بدأت المشكلة تتفاقم بعد انهيار أسعار النفط في 2014/ 2015، مما أدى إلى أضرار كبيرة في الإيرادات. وبالمثل، في السيناريو الحالي عندما يتم تداول النفط بانخفاض غير مسبوق في الأسعار وتقلبات حادة، فمن المتوقع أن يكون التأثير على أرصدة الكويت مرتفعاً للغاية.

وبالمثل، يجب تسريع وتيرة الإصلاحات لتطوير القطاع غير النفطي.

إن الإنفاق الرأسمالي على مشروعات البنية التحتية، وتحسين بيئة الأعمال، وتحسين الإطار الرقابي والسياسات المواتية لتطوير القطاع الخاص، ستساعد جميعاً على نمو القطاع غير النفطي. ومع استمرار عدم الوضوح في أسعار النفط، يجب تتبّع الجهود بسرعة لتنويع مصادر الإيرادات بعيدًا عن النفط تحقيقاً لمستقبل مستدام.

الإنفاق الرأسمالي

تبنت الكويت، ببطء، إجراءات التقشف، مثل تخفيض الدعم على الوقود والكهرباء وترشيد إنفاقها. ومع ذلك، لا يزال إنفاقها الإجمالي يمثّل إلى حدّ كبير الإنفاق الحالي في شكل أجور وتحويلات وإعانات. ولم يتم زيادة الإنفاق الرأسمالي بالوتيرة اللازمة، مع تباطؤ إرساء المشروعات الجديدة. وحتى بين دول مجلس التعاون الخليجي، تمتلك الكويت واحدة من أدنى نسب النفقات الرأسمالية إلى إجمالي الإنفاق بنسبة 12.3 بالمئة في عام 2019.

إن الحاجة إلى المزيد من الإنفاق الرأسمالي تعد أمرا ملحا، حيث إن التنويع هو الطريقة الوحيدة للحفاظ على الحماية النسبية من الصدمات المستقبلية في سوق النفط. وعلى الرغم من بيئة أسعار النفط المنخفضة، يجب عدم المساومة على الإنفاق على مشروعات البنية التحتية. وبالنظر إلى التأخيرات وتجاوزات التكاليف الناجمة عن انتشار “كوفيد-19″، سيكون من الضروري تحسين الكفاءة من خلال اختيار المشروع والتخطيط والتنفيذ بشكل أفضل. ويتعيّن على الحكومة تشجيع مشاركة أكبر للقطاع الخاص في تنفيذ مشروعات الشراكة بين القطاعين العام والخاص. إن الإنفاق الرأسمالي هو ضرورة على كل من المدى القصير والطويل، لأنه مفتاح للكويت لتحقيق أهدافها في تحفيز الاقتصاد وتنويع إيراداتها بعيداً عن النفط.

تراجع إرساء المشروعات

منحت الكويت 1.15 مليار دينار فقط من عقود المشروعات الكبرى في 2019، بانخفاض بنسبة 31 بالمئة، عن مستويات 2018. وستكون هذه هي السنة الرابعة على التوالي التي ينخفض فيها إنفاق الكويت على المشروعات، وستكون نسبة عمليات الإرساء 13 بالمئة فقط من مستوى الإرساءات التي شوهدت في عام 2015. لقد جعل نقص الإنفاق الاستثماري في الكويت من الصعب للغاية على الشركات العمل في سوق المشروعات. وترجع المشكلة جزئياً إلى انخفاض الإيرادات الحكومية.

أدت متطلبات الإنفاق الجارية المرتفعة وتراجع عائدات النفط إلى انخفاض عمليات إرساء المشروعات تدريجياً. وجاء الربع الأول من عام 2020 واعدًا، ومع ذلك، من المتوقع أن يؤدي تفشي “كوفيد-19” إلى مزيد من تأجيل عمليات إرساء المشروعات. ومن المتوقع أن يؤدي تقلص الإيرادات الحكومية إلى تفاقم المشاكل في الحصول على تمويل للمشروعات. ويجب استكشاف حلول التمويل بعمق لسد فجوة التمويل وضمان الاستمرارية في تفعيل المشروعات.

خريطة المشروعات

انخفضت عمليات إرساء المشروعات في الربع الرابع من 2019 إلى 183 مليون دينار، بانخفاض 45 بالمئة عما كانت عليه في الربع السابق له. ومع ذلك، ارتفعت قيمة عمليات إرساء المشروعات بشكل حاد في الربع الأول من عام 2020 إلى 587 مليون دينار، مدفوعة بقطاع الكهرباء والمياه، والذي شكل حوالي 81 بالمئة من إجمالي عمليات الإرساء في الربع.

وتبلغ القيمة الإجمالية للمشروعات التي تم التخطيط لها ولم يتم إرساؤها 62 مليار دينار. ويشمل ذلك المشروعات التي تأخرت جزئياً في عام 2019. ومع ذلك، وبالنظر إلى سيناريو الاقتصاد الكلي الحالي، فمن المرجح أن يكون هناك مزيد من التأخير في تلك المشروعات. وتمثل قطاعات الإنشاءات والنقل والطاقة غالبية المشروعات التي لم يتم إرساؤها بنسبة 38 و32 و14 بالمئة على التوالي.

تعطّل المشروعات بسبب الوباء

من المحتمل أن يتسبب تفشي “كوفيد-19” في حدوث العديد من حالات الانقطاع في سير عمل المشروع وتجاوز التكلفة لاحقًا. وبما أن المقاولين لن يكونوا قادرين على الحفاظ على جاهزية القوى العاملة لديهم بالكامل، فلن يكونوا قادرين على تحقيق تقدم كبير في العمل في المواقع.

وبما أن العمال المتعاقدين هم مهاجرون من مناطق مختلفة من العالم، فإن حظر السفر والفحص والقيود ستؤثر على عرض العمالة. وبينما يبلغ الوباء ذروته خلال فترات مختلفة في بلدان مختلفة، يمكن تمديد القيود المفروضة على الحركة في بلدان معيّنة حتى بعد انتعاش النشاط في الكويت.

ويمكن أن تؤثر هذه العوامل على سير العمل وتمديد المواعيد النهائية للانتهاء. وفي أسوأ الحالات، قد يكون هناك إغلاق لمواقع المشروع أيضًا. ويتم في بعض الأحيان تصنيع بعض المواد المطلوبة لمشروعات البنية التحتية واستيرادها من المقاولين من الباطن. كما يتم استيراد المواد الخام من مواقع مختلفة.

ونظرًا لوجود قيود على استيراد السلع والمواد، يمكن أن تضيف تحديات الشراء مزيدًا من الاختناقات. وإذا تعرضت سلسلة التوريد لضغوط شديدة، فسيتعين على المقاولين العثور على مورّدين بدلاء أو إيجاد طرق شحن بديلة من خلال القنوات الأقل تأثرًا نسبيًا. وسيترتب على ذلك تكاليف إضافية لم تكن لتدرج في الميزانية في وقت سابق. وإضافة إلى ذلك، يتلقى بعض البائعين مدفوعات مسبقة قد لا يتمكنون من سدادها. وإذا تم تحديد بائع بديل، يجب دفع المزيد من الدفعات المسبقة، مما يؤدي إلى ضغوط على التدفقات النقدية. وستتراكم هذه التكاليف الإضافية وتؤثر في النهاية على المخرجات. ومن المتوقع أن يواجه المشغلون في قطاع البناء والقطاع المرتبط به تداعيات شديدة على السيولة والتدفقات النقدية على المدى القريب.

تحديات وحلول

يشكل التأخير في تنفيذ مشروعات البنية التحتية تكاليف اجتماعية واقتصادية محتملة كبيرة، ولا تزال استثمارات البنية التحتية في الكويت في وضع غير مواكب للتطورات. وفي حين أن هناك إجماعًا على اختناقات البنية التحتية، فإن الأسباب الكامنة وراء نقص تمويل البنية التحتية أمر يستحق الإمعان، نظرًا إلى الأموال الوفيرة المتاحة في الأسواق المحلية والعالمية وبيئة أسعار الفائدة المنخفضة.

المدفوعات المتأخرة

واحدة من أكبر العقبات في تمويل المشروعات هي تأخر مدفوعات المقاولين من قبل الحكومة، مما يؤثر سلبًا على مواعيد تسليم مراحل مختلفة من المشروعات وفي النهاية على مستوى الإنجاز على المدى الطويل. كما يوجد نقص في التنسيق بين المسؤولين الحكوميين لتسهيل الإجراءات والقضاء على البيروقراطية.

ومن أجل معالجة هذه الاختلالات، توصلت العديد من الجهات الحكومية إلى اتفاق مع وزارة المالية لتشكيل آلية مرنة لإنفاق ميزانيتها على المشروعات الحالية وتقليل الحواجز التشغيلية بسبب تأخر السداد. وخاصة مع تفشي “كوفيد-19″، يجب على الحكومة التركيز على تسريع الدفع لمقاولي المشروعات لتقليل التأخير في الإنجاز.

وتدرك حكومة الكويت تلك المسائل إدراكاً تاماً، وقد اتخذت عدة خطوات مهمة لتعزيز سوق المشروعات. وكما يتضح في تقرير ممارسة الأعمال للبنك الدولي لسنة 2020، فقد سهلت الكويت تصاريح التعامل مع الإنشاءات، وذلك بتنظيم عملية إصدار التصاريح، ودمج الصلاحيات الإضافية إلى منصة التصاريح الإلكترونية الخاصة بها، مما عزز التواصل بين الجهات، وأدى إلى تخفيض الفترة الزمنية اللازمة للحصول على تصريح إنشاءات. وقد أتاح ذلك للكويت اختصار الفترة الزمنية المطلوبة للحصول على تصريح مبان إلى 103 أيام من 194 يوما، وأقل بمقدار 50 يوماً تقريباً من منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ذات متوسط الاقتصاد عالي الدخل. كما سهلت الكويت عملية تسجيل الملكية من خلال تنظيم عملية التفتيش وتسجيل الممتلكات. كما حسنت جودة نظامها الإداري من خلال نشر معايير الخدمة الرسمية بشأن نقل الملكية. والفترة المستغرقة لإنجاز جميع الإجراءات اللازمة قد تم خفضها إلى النصف، أي من 35 إلى 17 يوماً. كذلك، تعكف حكومة الكويت على متابعة برامج الخصخصة بكل جد واجتهاد.

اختلالات

تبلغ متطلبات الاستثمار التراكمية لتطوير البنية التحتية في دول مجلس التعاون الخليجي من 2019 – 2023 حوالي 1.6 تريليون دولار، بما في ذلك المشروعات الكبرى مثل نيوم، ومدينة الحرير، والقدية، وأمالا، ومدينة جنوب صباح الأحمد السكنية وغيرها. وهذا أعلى بنسبة 65 بالمئة من إجمالي الاستثمار في السنوات الخمس الماضية من 2014/ 2018. وبالتالي، فالقضية ليست ما إذا كانت ستستثمر في بنية تحتية أكثر وأفضل جودة، بل كيفية إيجاد التمويل للقيام بذلك. وليس لدى الحكومات في المنطقة أموال كافية لتلبية الطلب المتزايد على البنية التحتية، وهذا يلقي الضوء على قدرتها على جذب الاستثمارات الخاصة لسد فجوة التمويل. وتشير التقديرات إلى أن الاستثمارات الخاصة التي تبلغ قيمتها 400 مليار دولار ستكون مطلوبة على مدى السنوات الخمس المقبلة لسد فجوة التمويل. وقد يؤدي عدم القيام بذلك إلى تأخير أو تأجيل أو حتى إلغاء بعض المشروعات المخطط لها بسبب نقص التمويل. وفي الكويت، واعتبارًا من نهاية عام 2018، تم تنفيذ مشروعات بقيمة 60 مليار دولار تتعلق برؤية الكويت 2035 مع استثمار 100 مليار دولار إضافية في المستقبل. ويوجد حالياً 2.296 مشروعاً نشطاً بقيمة إجمالية تبلغ 138.5 مليار دينار في الكويت.

هبوط الائتمان بقطاع الإنشاءات

تعتبر البنوك التجارية في الكويت أكبر مزود للأموال للمشروعات الكبرى ذات رأس المال الكثيف، وغالباً ما تستحوذ على ما نستبه 50 بالمئة من التمويل الكلي للمشروعات، وحتى 100 بالمئة أثناء مراحل ما قبل الإنجاز. وقد شهد نمو الائتمان الموجه لقطاع الإنشاءات انخفاضاً كبيراً في عام 2016، إلا أنه شهد علامات تدل على التعافي في 2018. غير أن معدل نمو الائتمان الموجه لقطاع الإنشاءات كان قد اتخذ اتجاهاً نزولياً طوال عام 2019. كما أن نقص التمويل على المدى الطويل منذ أزمة 2008 قد ألقى بظلاله الكثيفة على نمو الشركات المدعوم بالاستثمار في العالم، مما أدى إلى تقويض قدرة المشروعات ذات الجدارة الائتمانية على الاقتراض بنجاح.

تعزيز الشراكة

تبرز الشراكة بين القطاعين العام والخاص باعتبارها المسار المفضل لاستقطاب مستثمري القطاع الخاص لتمويل المشروعات الكبرى، مما يقلل من العبء المالي عن الحكومات، وربما لا يقل عن ذلك أهميةً الاستفادة من خبرة وكفاءة القطاع الخاص. وسوف يساعد تكثيف استخدام نموذج الشراكة بين القطاعين العام والخاص في تقديم البنية التحتية على تخفيض الضغوط عن المالية العامة، بينما سيؤدي أيضاً على تعزيز التنمية. وكانت حكومة الكويت قد استهلت برنامجا طموحاً للشراكة بين القطاعين العام والخاص من شأنه تعزيز التعاون بين القطاعين للارتقاء بجودة البنية التحتية والخدمات لمصلحة المواطنين الكويتيين. وسوف تمثّل الشراكة بين القطاعين العام والخاص أداةً أساسيةً للحكومة لتحقيق أهداف رؤية الكويت 2035. ومع تفشي وباء كورونا المستجد وما يمثله من ضغوط على الاقتصاد على المدى القريب، فقد أصبح لزاماً على الحكومة اتخاذ الخطوات اللازمة لحماية مشروعات الشراكة القائمة بين القطاعين العام والخاص وبناء الثقة بين المشاركين المرتقبين من خلال إبراز رغبة الحكومة في تقديم الدعم أثناء الظروف الاقتصادية الصعبة.

ومن المتوقع أن تواجه مشروعات الشراكة بين القطاعين العام والخاص تحديات فيما يتعلق بتحقيق الإيرادات، إضافة إلى صعوبة إدارة العمليات اليومية بسبب ضعف الاقتصاد. أما رغبة الحكومة في تقديم السيولة إلى القطاع المالي فسوف تنعكس بشكل جيد على المشاركين في مشروعات الشراكة بين القطاعين العام والخاص، حيث سيتمكنون من تلقي الدعم على المديين القصير والطويل. وأثناء الظروف العادية، فإن الكثير من الدعم من جانب الحكومة قد يؤدي إلى أخطار معنوية ويمثل سابقة سيئة. إلا أنه مع مراعاة الأضرار التي قد يسببها ذلك الإجراء على المدى الطويل، فإن خيار التدخل الاستباقي يبدو أنه أفضل طريق في المستقبل. ويتعين على الحكومة تقديم الضمانات المالية إلى جميع المشروعات الحيوية، ووضع معايير لتصنيف كل من المشروعات ونوع الدعم الذي يتعين تقديمه إلى كل مشروع على حدة. أما بالنسبة للمشروعات التي تشوبها مخاطر انخفاض الطلب عليها، فيمكن تقديم الدفعات المباشرة إلى الشركات ذات الأغراض الخاصة للمشروع، وذلك لإتاحة سداد دفعات خدمة الدين، والاحتفاظ بالموردين وتقليل الأضرار الناجمة عن انخفاض الحجم. كما أن عدم المساس بسلسلة التوريد من خلال إجراء الدفعات الدورية من شأنه ضمان أنه بمجرد ارتفاع الطلب، فإن المشروع سيعود إلى قوة دفعه الذاتية المستدامة. أما المشروعات ذات الأهمية الوطنية فيجب أن تلقى كفالة الحكومة، مع الأخذ في الاعتبار المحافظة على المصلحة الوطنية. ويجب إعداد جدول زمني واضح أو فترة زمنية يمتد خلالها الدعم الحكومي، وذلك تماشياً مع تطور الأزمة، ويجب تعميمه بوضوح على جميع الجهات المشاركة. وفي حالة تخفيف الأضرار بشكل صحيح على المدى القريب، فإن ذلك من شأنه تعزيز نشاط الشراكة بين القطاعين العام والخاص في المديين المتوسط والطويل.دراسة حالة إدراج «شمال الزور» الأولى

كانت شركة شمال الزور الأولى أول شركة تؤسس كمشروع شراكة بين القطاعين العام والخاص وأول برنامج شراكة بين القطاعين يعرض للاكتتاب العام. وقد نجحت هيئة الشراكة في إتمام العرض العام لحصتها في شركة شمال الزور الأولى. وكان العرض يعادل 50 بالمئة من حصة شركة شمال الزور الأولى بمجموع 550 مليون سهم، وبما يعادل 100 بالمئة من حصة هيئة الشراكة في رأسمال الشركة.

والشركة هي المالك والمشغل لمحطة شمال الزور الأولى للكهرباء والماء، وهي أول محطة مملوكة للقطاع الخاص لتحلية المياه بطاقة التدوير المجمع باشتعال الغاز تؤسس بموجب قانون مشروعات الماء والكهرباء المستقلة. وهذا القانون، وقانون الشراكة بين القطاعين العام والخاص، الذي يشترط أن تقوم الدولة بعرض 50 بالمئة من إجمالي ملكية مشروعات الشراكة بين القطاعين العام والخاص على المواطنين الكويتيين من خلال الاكتتاب العام الإلزامي. ويشكل ذلك جزءاً لا يتجزأ من الجهود الحكومية المستمرة لمشاركة المواطنين في ملكية المشروعات الكبرى التي تعرض على المؤسسات الاستثمارية من القطاع الخاص. وإضافة إلى توفير فرص استثمارية جذابة للمواطنين، تساعد مشروعات الشراكة بين القطاعين أيضاً في تمكين القطاع الخاص من تولي القيادة في تنمية الاقتصاد غير النفطي في البلاد.توصيات

تعتبر المرحلة الراهنة التي يواجه فيها الاقتصاد تباطؤاً مرحلةً حرجةً، حيث أصبح التدخل الحكومي مطلوباً للغاية. فمن المطلوب اتخاذ إجراءات داعمة على كل من الأمدين القصير والطويل.

• سيساعد تقديم حوافز للقطاعات غير النفطية في تخفيف المخاطر الناجمة عن فيروس كوفيد-19، فضلا عن المساهمة في تحقيق التنويع الاقتصادي، حيث إن تمويل مشروعات البنية التحتية من خلال مزيد من الإنفاق الرأسمالي سينعكس بصورة إيجابية على أهداف التنويع في دولة الكويت.

• سيؤدي توفير الدعم النقدي في شكل تسهيلات سيولة إضافية، والإسراع في سداد دفعات المشروعات، إلى حماية المشروعات القائمة ومساعدتها في مجاراة حالات الانقطاع عن العمل بسبب الفيروس. كما أن القضاء على التحديات البيروقراطية سيساعد في زيادة سرعة دورات المدفوعات، مما قد يؤدي بدوره إلى تفعيل نشاط المشروعات.

• معظم المشروعات ممولة باستخدام مزيج من المساهمات (في شكل نقد و/أو تمويل بالربط من خلال الأسهم أو قروض المساهمين) والدَّين (قروض مصرفية، سندات إلخ) على أساس إمكان الرجوع المحدود أو تمويل المشروعات. وستظل البنوك تمثل أهم الممولين، خاصةً خلال المراحل الأولى من المشروعات الجديدة. ومع ذلك، فإن دعم تمويل مشروعات البنية التحتية سيتطلب توسيع نطاق مجموعة المستثمرين المحتملين وزيادة حجم مزيج الأدوات المالية.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا