لا أستطيع التنفس بقلم : أ.د. غانم النجار

دسمان نيوز – الجريدة – بقلم : أ.د. غانم النجار – الحكاية هي نهايتها، ويبدو أن انتظار غودو سيطول. لك مطلق الحرية في أن تفسر ما حدث في أميركا الأسبوع الفارط كما تشاء، حتى لك أن تقرر أنه “ربيع أميركي”، بل لك أن ترى “أكاديمية تغيير” أو حتى “إخوان”، أو أنها مؤامرة ضد ترامب، أو مؤامرة يقوم بها ترامب!

باستثناء العنف والتدمير والسرقة، فالغالبية العظمى أخرجهم استمرار المعاناة والتمييز، عودة للجرح العميق المفتوح، العنصرية وغياب العدالة، أو حسب السيناتور كاميلا هاريس “وجود نظامين للعدالة”.

في اللحظة التي بدأت فيها المدن الأميركية تعود إلى “الحياة الطبيعية الجديدة”، تم فرض حظر التجول الكلي مرة أخرى في أكثر من ٢٥ مدينة أميركية، لأسباب مختلفة تماماً عن “كوفيد- 19 “، والذي تجاوز عدد حالات الوفاة بسببه 100 ألف إنسان. لم يتخيل أحد أن تأتي قضية لتحرف الانتباه عن فيروس كورونا، الذي تجاوز عدد قتلاه عدد من سقطوا في الحرب الفيتنامية والكورية.

مشهد الركبة على الرقبة سيبقى في الذاكرة. ولولا الصورة لما حدث كل ما حدث. الشرطي الأبيض ديريك شوفين، يضع ركبته على رقبة جورج فلويد، المقيد، المستسلم، ويداه في جيبيه، كمن وضع ركبته على طريدة أو فريسة، يرفض الاستجابة لمن يريد أن يتنفس وينادي أمه، ثم يفارق بعدها الحياة. البعد الرمزي الغائص في التاريخ أكبر من المشهد ذاته. هكذا استطاع مشهد أن يزيح الكارثة الصحية الأكبر عن الشاشة. الأول طارئ والثاني متجذر عميق في مجاهل تاريخ القهر. لم يكن ممكناً جذب الانتباه عن أزمة كورونا المدمرة التي قتل فيها أكثر من 100 ألف إنسان إلا بفيروس أقوى منه؛ العنصرية.

الصورة الرمزية تزداد تركيزاً، أزمة كورونا ومرض كوفيد- 19 هو بالأساس مرض تنفس، فجاء مقتل جورج فلويد، بانقطاع التنفس… ترابط غريب! لم يمت بالضرب أو بالرصاص أو بالسكين، ولكن بركبة على الرقبة وانقطاع التنفس.

أزمة كورونا هي من حيث الشكل فقط أزمة صحية، ولكنها أبعد من ذلك بكثير، فهي أزمة في الحكم والإدارة السياسية، وخلل فاضح في حالة استلاب وانتهاك لحقوق البشر.

في الاضطرابات الكبرى يدخل المتطفلون والمخربون وغيرهم للتخريب حتى للقضايا العادلة، فقبل ست سنوات حدثت اضطرابات كبيرة في فيرغسون ميسوري بسبب مقتل ميكل براون، رجل أسود آخر، وليرونا تايلور في كنتاكي، وجورجيا، وتتكرر السلسلة. أزمة تلد أخرى، ولن تنتهي حتى تتم مراجعة شاملة للعلاقات العرقية وإصلاحات للعدالة الجنائية وثقافة التمييز داخل أجهزة الشرطة دون تسييس.

المشهد ربما شهدناه في فرنسا مع ذوي السترة الصفراء قبل فترة قليلة، وقد يتكرر. ونشهده بدرجات متباينة، وقد ينتقل لبلاد أخرى، ولسنا بعيدين عن ذلك. المشهد يتكرر بشكل أكثر عمقاً وفداحة في فلسطين، فكم رقبة كسرت وكم ركبة داست عليها. الناس تريد أن تتنفس من القهر والتمييز وانتهاكات كرامات البشر و70 مليون لاجئ.

قد تنتهي الاضطرابات العارمة في أميركا، وقد تتحول إلى شيء آخر، وقد تمتد إلى دول أخرى، وتعود الحياة إلى “الحالة الطبيعية الجديدة” و”العنصرية” اللتين تشكلان ثنائياً مذهلاً يخطف المشهد الإنساني، ويضع محله مشهد التوحش.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا