جورج فلويد .. أمريكا والصهيونية ومجتمعنا ! بقلم عبدالمحسن عمار

شهدنا جميعا الجريمة البشعة التي اقترفها أفراد الشرطة في الولايات المتحدة الأمريكية، بقتل جورج فلويد ذي البشرة السوداء وردة الفعل الحكومية التي لم تكن إلا مكملة للجريمة البشعة. إن الجريمة التي اقترفتها الشرطة لا تحسب على أفرادها فحسب فقد تكررت الاعتداءات العنصرية ضد ذوي البشرة السوداء ومواقع لتواصل الاجتماعي تضج بالمقاطع المصورة لها، ولطالما كانت هذه المنهجية الأمريكية ولا يمكننا إهمال ذكر أنها دولة قامت على جثث الملايين من السكان الأصليين بارتكابها أبشع المجازر، ومازالت مستمرة على ذات النهج. ولست بصدد الحديث حول ما جرى أو يجري في أمريكا بقدر ما أود أن أقارن بين عدة نماذج لنضعها نصب الأعين قبل الاستنكار والحديث عن عنصرية الحكومة الأمريكية !

المقارنة مع نموذجين:

الأول: الكيان الصهيوني، وهو الكيان الذي قام على القتل والتدمير والعنصرية، فهم يعتقدون بأنهم شعب الله المختار وأن الأرض من النيل إلى الفرات هي أرض الميعاد ويحق لهم ارتكاب المجازر بأبشع صورها لتحقيق هذه النبوءة التي يعتقدون بها، والتاريخ مليء بسلسلة الجرائم البشعة التي ارتكبتها هذه العصابة المجرمة منذ قيامها، وأي شخص يدعو للتطبيع مع هذا الكيان الإرهابي أو لقبول أي حل سلمي معه فهو شريك في جرائمه العنصرية الإرهابية، في الرواية عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام: “العامل بالظلم والمعين له والراضي به شركاء ثلاثتهم”.

الثاني: مجتمعنا الكويتي، والنماذج في مجتمعنا عدة والتي تحمل في طياتها النفس الطائفي أو العنصري أو الاستعلائي. من النماذج ما نشهده من إيذاء للبدون، من بعض الجهات المسؤولة وتأييد العنصريين والسفهاء لقراراتهم التي تصدر للتضييق عليهم بكل وسيلة ممكنة، وحرمانهم من الكثير من الحقوق التي يجب على الدولة أن توفرها لهم، وذلك بدل تجنيس المستحقين منهم. ولست بصدد الحديث عن حلول لهذه القضية التي كثر الحديث عنها وسط تجاهل تام لأي حل حقيقي ينهي هذه الأزمة.

ومن النماذج أيضا من يفرز المواطنين على مشتهاه وكل على درجة، فهذا مواطن من الدرجة الأولى وذاك من الثانية، والمقولات السخيفة: “جدي قبل جدك بالكويت واحنا من مؤسسي الكويت”، متناسين بأن الكويت تأسست ومواطنوها من هجرات مختلفة من عدة مناطق محيطة، ومتناسين بأن الدستور الكويتي ينص في المادة السابعة: “العدل والحرية والمساواة دعامات المجتمع، والتعاون والتراحم صلة وثقى بين المواطنين”.

ومنها أيضا الاعتداء على العمالة الوافدة بغير وجه حق، وذلك بسبب النفس الاستعلائي الموجود والجو المشحون كذلك ضد الوافدين في مواقع التواصل الاجتماعي، فلا يحق لأحد الاعتداء على من وفدوا لهذا البلد رغبة في الاسترزاق والعمل لكسب لقمة العيش الحلال. ولكن هذا لا يعني السكوت على الأخطاء الموجودة والتغافل عنها، من العمالة السائبة ومن تعيين الوافدين في جهات حساسة واستقدام العمالة من الخارج في ظل وجود الكفاءات الوطنية المعطاءة والتي أثبتت كفاءتها في ظل الأزمة الراهنة. والحقيقة بأن من يريد أن يصلح التركيبة السكانية ومحاسبة المتسبب بهذا الوضع المتردي، فليناد بمحاسبة تجار الإقامات كبيرهم قبل صغيرهم، والمسؤولين في الدولة الذين يرسلون في طلب الموظفين من الخارج.

ونشهد أيضا الإقصاء من قبل من يدعون التدين من المتشددين الذين يزعمون بأن الجنة لهم وحدهم، ولا شغل لهم سوى إثبات كفر وانحراف الناس وضلالتهم وسد أبواب الاجتهاد، لا أن الله عز وجل ذو رحمة واسعة وسعت كل شيء وأن كل مجتهد معذور باجتهاده.

لقد كرم الله عز وجل الناس إذ قال: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى* كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا} وجعل معيار تقييم الخلق خاصا به عز وجل: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}، فهو الخبير بخلقه العليم بما في صدورهم وأكرم الناس عند الله عز وجل المتقون، وعلمهم عند الله عز وجل، وقد حذر خلقه من تزكية أنفسهم من بين الناس: {فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى}. ومن صفات المتقين التي ذكرها أمير المؤمنين عليه السلام في خطبة المتقين: ” فَالْمُتَّقُونَ فِيها هُمْ أهْلُ الْفَضائِلِ، مَنْطِقُهُمُ الصَّوابُ، وَ مَلْبَسُهُمُ الاِقْتِصادُ، وَ مَشْيُهُمُ التَّواضُعُ” حتى مشيتهم مشية المتواضعين، وذلك مما أوصى لقمان ابنه في قوله تعالى: {وَلاَ تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلاَ تَمْشِ فِى الاَْرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ* وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الاَْصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِير}. هذا هو المعيار القرآني الذي رسمه لنا الله تبارك وتعالى، لنعيشه مع الناس ونعاملهم معاملة واحدة، غنيهم وفقيرهم بعيدا عن التكبر والاستعلاء.

عبدالمحسن عمار كاظم

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا