فوضى في سوق النفط

دسمان نيوز – منذ مدة ليست بالطويلة وأسواق النفط العالمية تعاني حالة من الاضطرابات والتقلبات ليس فقط على مستويات الأسعار والعرض والطلب بل أيضا على مستوى اتخاذ القرار الذي يبدو أحيانا بعيدا عن أساسيات السوق ومتطلباته الفنية، وأحيانا أخرى لاعتبارات سياسية، وفي أحايين متعددة وفق حسابات غير مفهومة لا تخلو من التناقض والعبث لدرجة أن يكون الفارق بين أعلى إنتاج أو خفض تاريخيين للنفط أسابيع قليلة!

فالمتتبع لأحوال سوق النفط خلال السنوات القليلة الماضية يلمس نوعا من السطحية في تعامل منتجي النفط الرئيسيين في «أوبك»، وتحديدا الدول الخليجية مع مستجدات السوق وتطوراته، وليس أدل من حرب الحصص غير المبررة التي وقعت على منتجي النفط الصخري قبل سنوات في سبيل خفض أسعار النفط بغية افلاس الشركات المنتجة للصخري، قبل أن تعود «أوبك» بقيادة المنتجين الخليجيين إلى تأسيس ما يعرف بـ «أوبك بلس» مع منتجي النفط خارجها لخفض الانتاج بعد أن أرهقها انخفاض الأسعار.

فشل سياسات

ومع أن «أوبك» رفضت في نهاية نوفمبر 2014 خفض إنتاجها من النفط في سبيل تحقيق مجموعة من الأهداف المعلنة أبرزها التخلص من فائض المعروض النفطي في السوق وإزاحة المنتجين غير التقليديين «النفط الصخري» فإنها لم تحقق شيئا من أهدافها حتى مع تراجع الاسعار بنحو 50 في المئة، فـ «أوبك»، التي تسيطر على نحو 44 في المئة من حجم إنتاج النفط العالمي ظلت تجدد اتفاقياتها مع مجموعة أوبك بلس لتخفيض أو تعميق خفض الإنتاج بعد أقل من عام على اتخاذ قرارها برفض الخفض وظل السوق والفائض النفطي في السوق حتى قبل أزمة كورونا بحدود 3 ملايين برميل يومياً، أما على صعيد إزاحة النفط الصخري فرغم التراجع في أسعار النفط فإن إنتاج النفط الصخري عالمياً لم ينخفض أكثر من 20 في المئة، بل دخل النفط الأميركي منافسا للنفط الخليجي في أسواق آسيا، وبات يهيمن على حصص جديدة في الهند وكورويا الجنوبية، فضلاً عن تعامل الرئيس الأميركي ترامب مع دول المنطقة في ملف أسعار النفط بسياسية العصا والجزرة.

شركات ودول ريعية

فهدف إغراق السوق بالإنتاج للضغط على النفط الصخرى ضغط أيضاً على دول الخليج وخضعت بالنهاية لوجوده كمنافس في السوق فهي دول ريعية لا تتمتع بمرونة الشركات النفط الأميركية التي تتعامل مع مساهمين لا مواطنين ولديها قدرات أكبر من حيث خفض أو دمج العمليات أو العمل على خفض كلفة الإنتاج باستخدام التكنولوجيا والتحول السريع في اتجاه إعادة ورفع الإنتاج وتحقيق الأرباح لمساهميها وسهولة التعامل مع خطط تقليص الإنفاق وإلغاء المشاريع على عكس دول الخليج النفطية التي يرتبط الإنفاق العام فيها بإيرادات النفط بنسب لا تقل عن 80 في المئة من الميزانية فضلاً عن صعوبة إقرار مشاريع تقشف في الغالب لها تكاليف سياسية واجتماعية.

استيعاب الدرس

ومع أن درس عام 2014 في سوق النفط كان واضحا لم يتم استيعابه او الاستفادة منه في ازمة كورونا وهو ما تبين في اجتماع «أوبك بلس»، الذي انعقد في شهر مارس الماضي عندما فشل منتجو «اوبك بلس» في التوصل لاتفاق يمدد خفض الإنتاج بحوالي 2.1 مليون برميل يوميا بسبب رفض روسيا، مما دعا المنتجين الداعمين لتمديد الخفض في ذلك الاجتماع وابرزهم السعودية لرفع الانتاج مباشرة بملايين البراميل في مختلف الاسواق، مما جعل خام برنت يهوي 31 في المئة في يوم واحد قبل ان تعود المجموعة نفسها «أوبك بلس» إلى اتفاق تاريخي في أبريل الماضي على تخفيض إنتاج النفط بما يقارب 10 ملايين برميل من النفط يومياً ابتداء من أول مايو 2020 يضاف اليها خفض بما بين 5 الى 10 ملايين برميل يومياً تتحمل السعودية وروسيا الحجم الاكبر فيهما من الخفض بـ 23 في المئة لكل منهما لمواجهة انحدار عالمي في الطلب على النفط بسبب ازمة كورونا وصل مع ذورة الاغلاق العالمي الى 40 في المئة من حجم الانتاج قبل الازمة، حتى لامست اسعار النفط مستويات منخفضة جدا تضغط على اقتصاديات معظم المنتجين.

خفض متواصل

وحتى مع الخفض الذي دخل حيز التنفيذ في مايو الجاري ونجح فقط في وضع حد لتراجعات اسعار النفط فإن دول الخليج لا تزال تعالج آثار رفع انتاجها كردة فعل على فشل اجتماع مارس، إذ اعلنت السعودية ومعها الامارات والكويت خفضاً طوعياً إضافياً لانتاج النفط في شهر يونيو بواقع 1.18 برميل نفط يوميا ومع ان اخبار الخفض مشجعة في السوق لكن سرعان ما تتلاشى اثارها على مستوى الاسعار لأن المستثمرين باتوا أقل يقينا تجاه القرارات الخليجية في السوق التي يمكن ان تتغير بحدة خلال فترة قصيرة.

نظرة قصيرة الأمد

التعامل مع أسواق النفط وما يترتب عليها من آثار على موازنات الدول الخليجية لا يمكن أن يكون وفق نظرة قصيرة الأمد او بعقلية المنتصر والخاسر بل بفهم حصيف للتغيرات الحاصلة في السوق والاقتصاد العالمي خصوصاً أن الضرر سيعود لأحقاً على دول الخليج بلا استثناء، خصوصا بعد أزمة كورونا ومدى قدرة وفعالية استخدام عوائد هذه السلعة لتجاوز الازمة أولاً، وفي إصلاح الاقتصادات ثانيا، ومراجعة مختلف الاستراتيجيات والمشاريع السابقة لتصب في مصلحة رؤية جديدة قد تفرض نفسها على عالم ما بعد كورونا.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا