مؤلف كتاب «اليهود في الكويت»: كان الكويتي ينظر لليهود على أنهم أصحاب دين سماوي، ولم ينظر إليهم كصهاينة، لذلك عاشوا معهم بطمأنينة وأمان

دسمان نيوز – منذ اليوم الأول من عرضه على الشاشة الصغيرة، أثار مسلسل «أم هارون» الدرامي جدلا واسعا على مواقع التواصل الاجتماعي في الكويت ودول الخليج العربي، إذ يقدم المسلسل ـ الذي يروي قصة يهودية عاشت في الخليج ـ جرعة درامية صعبة على المواطن الكويتي والخليجي.

وقد نجحت الفنانة القديرة حياة الفهد من خلال تقديمها لشخصية «أم هارون» في إعادة حقبة زمنية منسية من تاريخ المنطقة.

«الأنباء» التقت الزميل الإعلامي والكاتب الصحافي حمزة عليان مؤلف كتاب «اليهود في الكويت.. وقائع وأحداث»، وذلك للتعرف أكثر على هذه الحقبة الزمنية التي عاش فيها اليهود في الخليج والكويت، ومارسوا تجارتهم وطقوسهم الدينية، حيث أشار إلى أن اليهود توافدوا إلى الكويت بداية من عشرينيات القرن التاسع عشر، وأن أهل الكويت تعايشوا معهم لحين ظهور القضية الفلسطينية على الساحة العربية، ما جعل اليهود يشعرون بأنهم غير مرغوب فيهم لتبدأ مراحل خروجهم من الكويت على دفعات، وإلى التفاصيل:

لا تزال مسألة تواجد اليهود في الكويت أمرا فيه خلاف خاصة فيما يتعلق بعددهم وأماكن تواجدهم وكيف رحلوا.. فما السبب وراء هذا الخلاف؟

٭ تواجد اليهود في الكويت بالطبع من الأمور التي لا تزال موضع خلاف، وهذا الخلاف ليس وليد الساعة، وهو ما دفعني منذ أكثر من 10 سنوت تقريبا إلى إصدار كتابي الخاص «اليهود في الكويت.. وقائع وأحداث»، وذلك لتناول تلك المسألة الجدلية نظرا لندرة الوثائق والمرجعيات الثابتة في هذا الأمر.

وهو ما دفعني إلى إصدار هذا الكتاب التوثيقي لحياة اليهود في الكويت، وقد كنت في ذلك الوقت أعمل مسؤولا عن مركز المعلومات والدراسات في الزميلة «القبس»، وبالفعل كان من الصعب للغاية إيجاد مرجعية واحدة نتمكن من خلالها معرفة قصة يهود الكويت.

كيف نجحت في تقصي المعلومات وإثبات الشواهد في هذا الإصدار المميز الذي يمكن وصفه بانه احدى المرجعيات التاريخية المتعلقة بتواجد اليهود في الكويت؟

٭ عملية البحث والتقصي استغرقت أكثر من عامين تقريبا، وقد استعنت في هذا الكتاب بالعديد من المصادر والوثائق الرسمية المؤكدة، مثل الصحف والوثائق الرسمية الصادرة من مؤسسات الدولة، بالإضافة إلى عدد من المواطنين الذين عاصروا اليهود في الكويت وكانوا لا يزالون أحياء.

إذن ما قصة اليهود في الكويت، ومن أين بدأت؟

٭ قصة اليهود في الكويت تبدأ من عام 1880، وكان الدافع الرئيسي وراء انتقالهم دافعا اقتصاديا بحتا، ففي تلك الفترة كان اليهود دائما يسعون إلى الأماكن الأكثر استقرارا ليمارسوا فيه تجارتهم وحياتهم.

فقدم اليهود في هذا الحقبة إلى الكويت على مراحل، حيث قدموا كمجموعات في العشرينيات من القرن التاسع عشر، ثم قدمت مجموعات أخرى في الثلاثينيات، بينما تراوح أعداد اليهود في الكويت بين 150 و200 يهودي، وقد دخلوا إلى الكويت عن طريق 3 بلدان وهي العراق وإيران والهند.

أين سكنوا، وما أبرز المهن التي امتهنها اليهود في الكويت؟

٭ مع الوقت أصبحت تلك العائلات اليهودية معروفة لدى أهل الكويت، وتمركزوا في «فريج اليهود» بمنطقة شرق، والذي كان قريبا من منطقة «البورصة» حاليا.

واليهود في الكويت اعتمدوا على ممارسة أنواع مختلفة من التجارة، فعملوا في تجارة الأقمشة والذهب والمجوهرات وفي الجلود كذلك، كما اشتغلوا أيضا في بيع الحليب، ويقال ان أول مصنع للثلج في الكويت كان من تأسيس أحد اليهود الذي استمر في هذا العمل لسنوات ومن ثم أغلق مصنعه.

والجدير بالذكر أن التجار اليهود كانت لهم تعاملات تجارية وشاركوا أيضا مثل غيرهم العديد من التجار الكويتيين في مختلف أنواع التجارة، إذ كانت تعرف الكويت خلال هذه الفترة بانفتاحها الكامل على البصرة ومختلف مدن العراق، والتي كانت تضم عددا كبيرا من اليهود، ومنهم من حصلوا على مناصب وزارية في العهد الملكي، وخاصة في حقبة الملك فيصل الأول.

ما أشهر الشخصيات اليهودية التي عاشت في الكويت؟

٭ من أشهر الشخصيات اليهودية التي عاشت في الكويت هما الأخوان صالح وداود، اللذان امتهنا حرفة الغناء والموسيقى في الكويت، ثم خرجا من الكويت ولحنا أغاني، وقد كانا يسجلان بعض الأغاني في العراق، حيث ذهبا إلى البصرة ومن البصرة إلى بغداد ومن هناك توجها إلى إسرائيل في الخمسينيات.

ومن المتعارف عليه أن صالح وداود هما من يهود الكويت وبالتحديد من عائلة عزرا، وقد تعلم صالح الكويتي أصول الموسيقى على يد خالد البكر، وقد أطلق عليهما لقب «الكويتي» نسبة الى الكويت التي كانا يعيشان فيها خلال هذه الفترة. الجدير بالذكر أنه عندما كانا يسألان عن الفترة التي عاشاها في الكويت، قالا إنهما عاصرا الفترة الذهبية في الكويت والتي كانت من أجمل أيام حياتهما.

كيف كان اليهود يمارسون حياتهم الاجتماعية والدينية في الكويت؟

٭ لم يتعرض اليهود في الكويت إلى المضايقة أو العنصرية، إذ كانوا يمارسون حياتهم بشكل طبيعي، ويؤدون عباداتهم ويمارسون طقوسهم الاجتماعية والدينية بشكل طبيعي، ويصلون في الكنيسة والتي لم تكن بشكلها التقليدي في الكويت، بل كانت عبارة عن بيت يقضون فيه صلواتهم وشعائرهم الدينية، حيث كان من المعروف أن من شروط الديانة اليهودية عدم إقامة الصلاة إلا بوجود 10 من اليهود البالغين دون النساء والأطفال حتى تكتمل الصلاة في الكنيسة.

ولإبراز حق الكويت التاريخي في قضية التعايش مع اليهود خاصة قبل إعلان وعد بلفور، يجدر بنا الإشارة إلى أن المجتمع الكويتي كان متسامحا ومتقبلا للآخرين، ومن بينهم اليهود، الذين عاشوا بأمان ومارسوا تجارتهم، وباعوا واشتروا في الكويت بشكل عادي.

دائما ما يتم الخلط بين الديانة اليهودية والحركة الصهيونية في مجتمعاتنا العربية.. فكيف ترى الفارق بينهما؟

٭ علينا في البداية أن نفصل بين ما حدث في فلسطين عام 1984 جراء الحركة الصهيونية وبين الديانة اليهودية، فالبعد السياسي للقضية الفلسطينية لا علاقة له بالجاليات اليهودية التي كانت متواجدة سواء في الكويت أو في مصر أو في بيروت والمغرب وغيرها من الدول العربية، والتي عاشت لفترات طويلة من الزمن في تلك الدول العربية.

فمن أبرز ما يميز مجتمعاتنا العربية والخليجية هو التعددية وتنوع الأديان والحضارات، وهو ما يعد دليلا وعلامة تدل على صحة أوطاننا، فنحن نتقبل مختلف الأديان والمعتقدات.

مسلسل «أم هارون» الذي يعرض حاليا خلال الشهر الفضيل لاقى العديد من الانتقادات.. فما رأيك في المسلسل وهل يمكن تصنيفه كمسلسل تاريخي يوثق حياة اليهود في الكويت؟

٭ في الحقيقة شاهدت الحلقات الأولى من المسلسل، وكما تعرف في مجال المسلسلات الدرامية، يمكن للمخرج أو كاتب السيناريو أن «يشطح بخياله» ليرسم للمتابع مشاهد درامية ليست بالضرورة أن تكون حقيقية على أرض الواقع، فالمسلسل عمل درامي له أدواته المختلفة تماما عن التوثيق التاريخي لقضية مثل قضية اليهود في الكويت أو أي دولة أخرى.

وللعلم شخصية أم هارون الحقيقية سيدة شهيرة تدعى «أم جان»، كانت تعيش في البحرين وأجرت العديد من المقابلات التلفزيونية.

وهنا يجب على المشاهد عدم الربط بين المسلسل وبين الحركة الصهيونية وقيام دولة إسرائيل، لأن ذلك الربط سيدخلنا في الكثير من المتاهات دون الوصول إلى نتيجة محددة.

ماذا عن ردود أفعال المتابعين والهجوم الذي يتعرض له المسلسل منذ بدايته؟

٭ من الطبيعي أن يحظى مثل هذا المسلسل بردود أفعال سلبية، فهو مشهد جديد على الدراما والمشاهد الخليجي والعربي بشكل عام، وبعين الباحث التاريخي في مثل هذا الموضوع فمن خلال متابعتي للحلقات الأولى من المسلسل، أرى أنه لا ينطبق من الناحية التاريخية مع أي جانب من جوانب توثيق حياة اليهود في الكويت، وأنه مجرد عمل درامي بكل ما تعنيه الكلمة من معنى.

ماذا عن الاختلاف فيما يتعلق بأعداد اليهود في الكويت، هل هناك أعداد مثبتة يمكن الإشارة إليها؟

٭ في البداية، كان التعامل مع اليهود في الكويت خلال فترة الاحتلال البريطاني على أنهم من الرعايا الأجانب المتواجدين في الكويت تحت مظلة الاستعمار البريطاني، أما فيما يتعلق بالأرقام، فهنا نتحدث عن تقديرات، ولكن يمكن الإشارة إلى أن هناك عددا من العائلات اليهودية المعروفة في الكويت والتي كانت تتراوح أعدادها بين 10 و15 عائلة، بينما بلغ تعدادهم 150 إلى 200 يهودي ويهودية، وذلك في فترة العشرينيات والثلاثينيات.

دعنا ننتقل إلى ما يمكن أن نسميه بـ «نقطة التحول» في حياة اليهود في الكويت والوطن العربي ألا وهي «وعد بلفور» والقضية الفلسطينية.. كيف تعامل الكويتيون مع اليهود في هذه المرحلة؟

٭ من بعد عام 1936 وهي فترة قيام أول مواجهة بين الفلسطينيين والحركة الصهيونية المعروفة بمجموعة الهاجانا وغيرها، كان رد فعل الشارع الكويتي وتعاطفه وتأييده للقضية الفلسطينية أمرا طبيعيا.

وكما جاءت عملية توافد اليهود إلى الكويت بصورة متزايدة عاما بعد عام وبالتدريج مع مرور الوقت، بدأت عملية خروجهم من الكويت تأتي تدريجيا، وذلك منذ منتصف الأربعينيات.

لذلك، فيمكن أن نشير إلى أن القضية الفلسطينية انعكست بشكل كبير على تواجد اليهود في دول الخليج العربي وعلاقتهم بسكان المنطقة، نظرا لتعاطف الشارع العربي الذي كان مساندا للفلسطينيين ومؤيدا بشكل واضح لقضيتهم، ما جعل اليهود يشعرون بأنهم غير مرغوب فيهم، وبدأ بالخروج والهروب إلى إسرائيل أو عدد من الدول الأوربية.

هل شهدت تلك المرحلة أي أحداث عنف ضد اليهود قبل خروجهم من الكويت؟

٭ وفقا لقراءاتي لم تحدث أعمال عنف تجاه اليهود خلال تواجدهم في الكويت، ما كان يحدث أمر طبيعي يتعلق بأهازيج من الأطفال أو روايات يتم تداولها بين العائلات عن الشخصية اليهودية والبخل، دون أن يتطور الأمر إلى أي نوع من أنواع العنف أو الاغتيال أو القتل.

ولكن البعض أشار إلى أنه تم إبعاد اليهود من الكويت بالقوة في فترة الشيخ أحمد الجابر.. فما رأيك في ذلك؟

٭ لم أعثر خلال عملية بحثي على أي وثيقة تؤكد أن هناك قرارا رسميا بإبعاد اليهود في عهد الشيخ أحمد الجابر.

وأكرر أن نزوح اليهود من الكويت كان نتيجة شكاوى أهل الكويت من بعض تصرفاتهم، بالإضافة ما حدث في فلسطين جعل اليهود يشعرون بأنهم محاصرون وغير مرغوب فيهم.

ومع بداية الحركة الصهيونية في فلسطين ومشروع قيام الدولة الإسرائيلية، تولد لدى العرب نوع من الغضب تجاه هؤلاء اليهود، ليجد اليهود أن بقاءهم في الكويت غير مريح، لذلك قرروا الهجرة إلى العراق كمحطة أولى، ثم بعد الخمسينيات جاء قانون الجنسية العراقي الذي أسقط عنهم حق الجنسية مما عجل قرارهم في الهجرة إلى إسرائيل.

فريج اليهود كما هو متعارف عليه تاريخيا هو المكان الذي عاشت فيه هذه العائلات قديما.. هل لك أن توصف لنا موقعه ومشاهد من هذا الفريج كما أشرت في كتابك؟

٭ «فريج اليهود» في منطقة شرق، حيث كان اليهود الوافدون إلى الكويت قد تجمعوا في هذه المنطقة، وكانت تجارتهم في مختلف أسواق الكويت كالصفاة والمباركية وسوق الغربللي وسوق التجار والصرافين وغيرها من الأسواق المعروفة في تلك الفترة.

مقبرة اليهود أيضا موضع خلاف آخر، خاصة في ظل اختلاف الكتاب عن موقعها الفعلي، فأين تقع تلك المقبرة؟

٭ خلال عملية بحثي، كان ظني أنها موجودة قرب مجمع الخليجية بمنطقة شرق، وذهبت إلى هذه المقبرة بعد أن طلبت إذنا من بلدية الكويت، ودخلنا أنا ومصور صحافي وزميل آخر هو عباس أشكناني، لم نجد أي قبر متعلق باليهود، لنسأل بعد ذلك وتبين أن مقبرة اليهود تقع قرب عمارة الأسماك بجوار شارع خالد بن الوليد.

وقد تواصلنا بشخصيات كويتية تواجدت خلال فترة وجود اليهود في الكويت أو الفترة التي تليها، لنجد بعد طول البحث أن أحد الأشخاص ممن عاصروا تلك الفترة، قد أجرى مع الزميل جاسم أشكناني لقاء مطولا وصف خلاله أبرز طقوس اليهود خلال تشييعهم للموتى في هذا المكان، الذي أصبح الآن أرضا منبسطة.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا