دراسة حول حكم الدستور في تعطيل جلسات المحاكم

دسمان نيوز – ولاية القضاء هي أعلى الولايات قدرا وأجلها خطرا وأعزها مكانا وأعظمها شأنا وأشرفها ذكرا، وقد تولاها الأنبياء والرسل، والسلطة القضائية هي سلطة قائمة بذاتها، ليس وفقا لمبدأ الفصل بين السلطات فحسب، بل كذلك حماية لاستقلالها، وقد اختصها الدستور بحكم في المادة 53، فيما تنص عليه من أن “السلطة القضائية تتولاها المحاكم باسم الأمير”، وبذلك نأى الدستور بالأمير أن يكون شريكا فيها، على عكس ما فعله الدستور بالنسبة إلى السلطة التشريعية التي يتولاها الأمير ومجلس الأمة (مادة 51)، وبالنسبة إلى السلطة التنفيذية التي يتولاها الأمير ومجلس الوزراء والوزراء (المادة 52)، ويظل الأمير فوق كل ذلك أبا لأبناء الوطن جميعا.

والعدل أساس الملك (المادة 162 من الدستور)، ولا سلطان لأي جهة على القاضي في قضائه، ولا يجوز بحال التدخل في سير العدالة، ويكفل القانون استقلال القضاء (مادة 163)،

بما لا يجوز معه لأي سلطة تعطيل منصة القضاء، بالحيلولة بينها وبين أداء رسالتها السامية، فلا يجوز تعطيل عقد جلسات المحاكم، حتى في الظروف الاستثنائية التي تجتازها البلاد بسبب وباء كورونا، لأن العدل لا يتجزأ، كما أن الملك لا يتجزأ، فالدولة تظل قائمة تبسط سيادتها على أرضها وعلى أبنائها والمقيمين فيها، في الحرب والسلم على السواء، ومظهر هذه السيادة وجوهرها هو قضاؤها الوطني، والقضاء هو الحصن الحصين للحقوق والملاذ الأمين للحريات.

هذا مجمل ما بسطه الخبير الدستوري المستشار شفيق إمام، في دراسته للقرار الذي أصدره المستشار الجليل د. عادل بورسلي، بصفته رئيسا للمحكمة الكلية، بعقد جلسات محاكم الجنايات والجنح والجنح المستأنفة في الأيام التي حددها القرار، وهو اختصاص أصيل له بوصفه رئيسا للمحكمة الكلية.

تلاحق فزاعة البطلان الأحكام القضائية التي تصدر خلال العطلة الاستثنائية، بعد أن أصدر المستشار الجليل د. عادل بورسلي، رئيس المحكمة الكلية، قرارا بعقد جلسات محاكم الجنايات، والجنح، والجنح المستأنفة في الأيام التي حددها القرار للنطق بالأحكام في القضايا المحجوزة سلفا، في أيام الإجازة المقررة بتعميم ديوان الخدمة المدنية.

ومع نبل الباعث فإن الحرص على سلامة الأحكام القضائية، وعدم تعريضها للبطلان، حرصا على استقرار المراكز القانونية وحفاظا على هيبة القضاء وأحكامه، باعتبارها عنوان الحقيقة فيما تقضي به، فإن تعطيل ولاية القضاء، خلال هذه الفترة، والتي قد تطول، كالمستجير من الرمضاء بالنار، ونسوق للتدليل على ذلك ما يلي:

أولا– تعطيل المحاكم انتقاص لسيادة الدولة

وفقا لأحكام الشرع فإن الدولة مصدر القضاء، وهو جزء لا يتجزأ من كيانها، وفي هذا السياق تنص المادة 6 من الدستور على أن «نظام الحكم في الكويت ديمقراطي، السيادة فيه للأمة مصدر السلطات جميعا، وتكون ممارسة السيادة على الوجه المبين بهذا الدستور».

وهي الأوجه التي بينتها نصوص الدستور في المواد 51 و52 و53، حيث تمارس كل سلطة من السلطات الثلاث، التشريعية والتنفيذية والقضائية، أوجه هذه السيادة.

وفي هذا السياق فإن السلطة القضائية وفقا لأحكام المادة 53 من الدستور «تتولاها المحاكم باسم الأمير»، ولا تكتمل سيادة الدولة إلا بممارسة القضاء الوطني سيادة الدولة على أرض البلاد والعباد.

بل لعل السلطة القضائية هي السلطة الوحيدة التي لا يقتصر بسط سيادة الدولة من خلالها على إقليم الدولة، بل تمتد سيادة الدولة من خلالها على كل كويتي يرتكب خارج الكويت فعلا معاقبا عليه في الكويت، إذا عاد إلى الكويت دون أن تكون المحاكم الأجنبية قد برأته مما أسند إليه.

وفي تعطيل جلسات المحاكم ما ينتقص من سيادة الدولة على أراضيها وعلى مواطنيها، بما يعطي ذريعة للمحاكم الأجنبية لمحاكمة المواطن الكويتي الذي ارتكب جريمة على أرضها طالما أن المحاكم معطلة في الكويت.

ثانيا– مخالفة مبدأ الفصل بين السلطات

وهو المبدأ الذي أقام عليه الدستور نظام الحكم في الكويت، فيما تنص عليه المادة 50 من أنه «يقوم نظام الحكم على أساس فصل السلطات، مع تعاونها وفقا لأحكام الدستور، ولا يجوز لأي سلطة من السلطات النزول عن كل أو بعض اختصاصاتها المنصوص عليها في هذا الدستور».

ويستفاد من هذا النص دلالتان:

الدلالة الأولى:

أن كل سلطة من السلطات الثلاث، التشريعية والتنفيذية والقضائية، وفقا لمحددات هذه السلطات المنصوص عليها في المواد 51 و52 و53، هي سلطة قائمة بذاتها، تستقل وحدها بتسيير أعمالها.

وهو ما بينته نصوص الدستور، بالنسبة إلى السلطة التشريعية فيما نصت عليه المادة 87 من اعتبار مجلس الأمة مدعوا إلى الاجتماع، في صباح اليوم التالي لانقضاء أسبوعين على انتهاء الانتخاب للمجلس، إذا لم يصدر مرسوم دعوة المجلس خلالها، وما نصت عليه المادة 107 من استرداد المجلس المنحل كل سلطته الدستورية، ويجتمع فورا وكأن الحل لم يكن، إذا لم يصدر مرسوم الدعوة لإجراء انتخابات المجلس الجديد في ميعاد لا يجاوز شهرين من تاريخ الحل.

وبالنسبة إلى السلطة التنفيذية، فوفقا لأحكام المادة 56 يعين الأمير رئيس مجلس الوزراء، كما يعين الوزراء ويعفيهم من مناصبهم، دون أن يكون ذلك رهنا بمنحهم ثقة مجلس الأمة، فقد استعاض الدستور عن ثقة المجلس بثقة الأمير.

وبالنسبة إلى السلطة القضائية، فقد حرص الدستور على تحقيق استقلالها الكامل عن السلطتين الأخريين، فيما نصت عليه المادة 163 من أنه «لا سلطان لأي جهة على القاضي في قضائه، ولا يجوز بأي حال التدخل في سير العدالة، ويكفل القانون استقلال القضاء…».

لذلك فإن قرار مجلس الوزراء بتعطيل العمل في كل الدوائر الحكومية، وله كل التقدير على بواعثه النبيلة، لا يمكن حمله على تعطيل المحاكم جلساتها.

وفي هذا السياق، كان القضاء يمارس ولايته في بريطانيا خلال الحرب العالمية الثانية، في أحلك الظروف، وقد عطلت الحرب كل مرافق الدولة، وقضت على الأخضر واليابس، عندما ذهب وزير الحرب إلى تشرشل رئيس الحكومة وقتئذ يخبره أن محكمة بريطانية أصدرت قرارا بمنع الطائرات العسكرية من التحليق فوق مقر المحكمة، لأن أزيزها يشوش على المحاكمات التي تجرى أمامها، وكان هناك مطار عسكري قرب المحكمة، فأصدر تشرشل أمره على الفور إلى وزير حربه بتنفيذ قرار المحكمة، قائلا له:

خير لبريطانيا أن تخسر الحرب من إهانة قضائها، وعدم الامتثال لقرار المحكمة فيه إهانة للقضاء البريطاني، لن يمحوها الزمن، وسيلحق العار ببريطانيا العظمى، إلى أبد الدهر، أما الحروب فيوم علينا ويوم لنا.

الدلالة الثانية للنص:

والدلالة الثانية المستفادة من أحكام المادة 50 من الدستور، أنه لا يجوز لأي سلطة النزول عن اختصاصها المنصوص عليه في الدستور.

فلا يجوز للمحاكم بأي حال من الأحوال أن تتوقف عن عقد جلساتها، لما ينطوي عليه ذلك من إنكار للعدالة، وهي جريمة يعاقب عليها القانون في بعض الدول.

وأساس ذلك أن القاضي هو أول من يجب عليه تنفيذ القانون الذي يطبقه، ولما كان القاضي لا يملك أن يعفي أطراف الخصومة المطروحة أمامه، من التزاماتهم المتبادلة إلا إذا أصبح تنفيذها مستحيلا، استحالة مطلقة، بسبب أجنبي لا يد لهم فيه، بطروء حالة قوة قاهرة أو حادث جبري لا قبل الملتزم بدفعه أو التحرر منه.

أما إذا كان تنفيذ الالتزام ممكنا فلا يعفى الفرد من تنفيذ التزامه ولو أصبح مرهقا، لذلك فإنه من باب أولى لا يجوز للمحاكم أن تتسلب من ولايتها في إقامة العدل، بسبب انتشار وباء كورونا، وأن تعفي نفسها من التزام دستوري فرضه عليها الدستور في المادتين 52 و162 بإقامة العدل بين الناس، وليست هناك استحالة مطلقة في تنفيذ هذا الالتزام، وهي فريضة محكمة كما يقول الأصوليون.

وفي القول المأثور: «لا تنه عن فعل وتأتي بمثله».

ووباء كورونا لا يمنع من عقد المحاكم جلساتها بدخول أطراف الخصومة قاعة الجلسة، مع مراعاة قواعد التباعد بينهم، ومراعاة أن يسمح لأجهزة الإعلام ولجماعات حقوق الإنسان حضور جلسات المحاكمة، إرساء لمبدأ علانية الجلسات، وهي شكلية جوهرية، بل هي التزام دستوري، أرساه الدستور في المادة 165، فيما تنص عليه من أن «جلسات المحاكم علنية إلا في الأحوال الاستثنائية التي يبينها القانون»، حتى لا تصدر الأحكام خلف جدران مغلقة، لما ينطوي عليه صدور الأحكام في جلسة سرية من إهدار للرقابة الشعبية التي يمارسها الرأي العام على حسن سير العدالة.

ثالثا – استقلال القضاء

واستقلال القضاء ليس حقا للسلطة القضائية وحدها، بل هو حقّ للمواطن، وكما يقول الأصوليون هو حقّ للشرع، ويعزز استقلال القضاء النظر السابق.

وقد حرص الدستور على هذا الاستقلال عندما انفردت السلطة القضائية بحكم خاص في المادة (53) من الدستور فيما نصّت عليه من أنّ «السلطة القضائية تتولاها المحاكم باسم الأمير «خلافا لما نصّ عليه في المادة (51) من أن «السلطة التشريعية يتولّاها الأمير ومجلس الأمة»، وما تنص عليه المادة (52) من أن «السلطة التنفيذية يتولّاها الأمير ومجلس الوزراء والوزراء «فقد كان ذلك ترسيخا لمبدأ استقلال القضاء، حيث ينحصر دور رئيس الدولة بالنسبة الى السلطة القضائية في صدور الأحكام باسمه تعظيما لقدره وأمرا لكل السلطات بتنفيذها دون تدخّل في سير العدالة، وحقه في العفو عن العقوبة بعد صدور الحكم بها، ليظلّ رئيس الدولة أبا لأبناء هذا الوطن جميعا، وهو ما أكده الدستور ورسّخه فيما نصت عليه المادة (163) من الدستور من أنه «لا سلطان لأي جهة على القاضي في قضائه، ولا يجوز بأي حال التدخّل في سير العدالة….».

وترتيبا على ذلك، فإنّ عقد جلسات المحاكم هو شأن خاص بهذه المحاكم يدخل في اختصاصها الأصيل، فالمحاكم هي سلطة قائمة بذاتها، وفقا لأحكام المادتين (50) و(53) سالفتي الذكر، فضلا عن تمتّعها بالاستقلال، بحكم طبيعة الرسالة السامية التي تتولاها، بما لا يجوز معه لأي سلطة تعطيل منصة القضاء، بالحيلولة بينها وبين أداء رسالتها السامية، وذلك من خلال تعطيل عقد جلسات المحاكم، حتى في الظروف الاستثنائية التي تجتازها البلاد، بسبب وباء كورونا.

رابعا- حماية العدالة

وهي رسالة القضاء، تولاها الأنبياء والرسل، يقول المولى عزّ وجلّ مخاطبا نبيه داوود «يا داوود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق».

ويقول سبحانه مخاطباً رسوله صلى الله عليه وسلم «وإن حكمت بينهم فاحكم بالقسط إن الله يحب المقسطين».

وغياب المحاكم وتعطيلها يعنيان أن تعود عدالة الأفراد، بأن يأخذ الأفراد حقوقهم بأيديهم، وهي عدالة خاصة، كما يُطلق عليها الأصوليون، كما كان يحدث في الماضي السحيق في ظل شريعة الغاب.

فالقضاء هو أمن اجتماعي وأمن اقتصادي، لا تستقيم حياة الناس إلا به.

وحماية العدالة هي إحدى أهم القيم والمبادئ التي تقوم عليها المجتمعات الحديثة الآن، ولا تتأتى هذه الحماية إلا من خلال الالتزام بمجموعة من القيم التي تكفل للمتهم الحد الأدنى من الحماية والحقوق التي لا يجوز النزول عنها، ومنها وعلى رأسها افتراض البراءة.

فيما تنصّ عليه المادة (34) من الدستور من أن «المتهم بريء حتى تثبت إدانته في محاكمة قانونية تؤمّن له فيها الضمانات الضرورية لممارسة حق الدفاع».

فافتراض البراءة في الإنسان لا يعدو أن يكون استصحابا للفطرة التي جُبل عليها الإنسان وسياجا لحماية الحريّة الشخصية للإنسان التي تكفلها المادة (30) من الدستور.

فالاتهام الجنائي الذي وجّه الى هؤلاء المتهمين في القضايا التي أشار اليها قرار رئيس المحكمة الكلية بارتكاب بعض الجرائم، قد خلق واقعاً جديداً يناقض افتراض البراءة في الإنسان، وهي قرينة ترتبط بالإنسان منذ ميلاده، الى أن يصدر حكم قضائي ونهائي باتّ يتناقض وهذه القرينة، بإدانة المتهم، من واقع ما قدّمته جهات التحقيق من أدلة وبيانات، ومن واقع ما حققته المحكمة بنفسها من وقائع الاتهام ومحّصته من أدلّة وأوجه دفاع المتهمين.

فمن حقّ المتهمين في هذه القضايا عرض دعواهم وطرح أدّلتهم والردّ على ما يعارضها، وأن يكون لهذه الجرائم التي نسبت الى المتهمين – في نهاية مطافها حكم منصف يمثّل الترضية القضائية الكافية بإثبات براءتهم، بحكم جنائي ونهائي وباتّ، يعلّقونه وساما على صدورهم، وإن كانوا أبرياء من كل اتهام وجّه اليهم.

وفي تأجيل العدالة بتعطيل المحاكم، إهدار لافتراض البراءة في الإنسان، فهو قد يؤدي الى إخلال سير العدالة، إذ أدى التأخير في المحاكمة في بعض الحالات الى طمس الدليل، لسفر الشهود أو وفاة الشاهد الوحيد.

وتأجيل العدالة في الوقت ذاته يؤدي الى أن يزول اهتمام الناس بالقضية، ويزول بالتالي الأثر الرادع للعقوبة.

ويلحق تأجيل العدالة بتعطيل المحاكم ضرراً بالغاً بالمتهم، الذي قد يكون محبوساً حبساً احتياطياً فتطول مدّة حبسه، فضلاً عن القلق النفسي الذي يصيبه حتى لو كان مفرجاً عنه، وهو في انتظار محاكمته، بل ويهدر تأجيل العدالة بحقوق المجني عليه، فحقوق الضحية أيضا من حقوق الإنسان، الأمر الذي يقتضي كفالة الدولة حقّ المجني عليه، وتأجيل العدالة بتعطيل المحاكم يهدرها ولا يكفلها.

فضلا عن أن كلّ ما ينص عليه الدستور من مبادئ وحقوق وحريات يصبح حرثًا في البحر، وتنكّبًا لآمال هذه الأمة وأحلامها وطموحاتها إذا غاب القضاء وعطلت جلسات المحاكم عن ممارسة ولايته، فهو الضمانة الأساسية التي تتطلبها صيانة هذه الحقوق وحماية هذه الحريات، وهو حامي حمى الشرعية ومبدأ المشروعية والدولة القانونية.

فالقضاء هو الحصن الحصين للحقوق والملاذ الأمين للحريات، فأمام قدس القضاء يتساوى الناس جميعا، وقد كفلت المادة (166) من الدستور حق التقاضي للناس كافة.

فالناس أمام القضاء سواسية في الكرامة الإنسانية، يأخذ القضاء حق الضعيف إذا ناله ضيم أو لحق به ظلم، يأخذه من القويّ بجاهه أو ماله أو سلطانه.

ومن خلال القضاء وأحكامه القضائية، تكفل الدولة الأمن للناس وتشيع فيهم الطمأنينة، ففي كفالة القضاء أمنع حمى وأعزّ ملجأ، فهو الأمين على الأرواح والحريات، وهو الحارس على أموالهم وأعراضهم.

فالقضاء ميزان العدل، وبالعدل وحده تصان القيم وتسمو المبادئ والأخلاق، وتستقر الطمأنينة في النفوس، ويشعر كل مواطن بالانتماء لوطن يذود فيه القضاء عن كرامة الإنسان وحرياته وحقوقه.

خامسا- العدل أساس المُلك

وهي مقولة لسيدنا عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، وقد جسّدها الدستور فيما نصت عليه المادة 162 من أن العدل أساس الملك وضمان للحقوق والحريات.

وآية ذلك أن كل ما ينص عليه الدستور من حقوق وحريات يصبح حرثًا في البحر وتنكبًا لآمال هذه الأمة وأحلامها وطموحاتها، وإذا عطل القضاء عن ممارسة ولايته.

نعم فالقضاء ميزان العدل، وبالعدل وحده تصان القيم وتسمو المبادئ والأخلاق، وتستقر الطمأنينة في النفوس، ويشعر كل مواطن بالانتماء لوطن يذود فيه القضاء عن كرامة الإنسان وحرياته وحقوقه.

كما أن المُلك لا يتجزأ، فإن العدل لا يتجزأ، فالدولة تظلّ قائمة تبسط سيادتها على أرضها وعلى أبنائها والمقيمين فيها، في الحرب والسّلم على السواء.

وفي هذا السياق، يذكر أنه في نهاية الحرب العالمية جمع تشرشل الوزراء ليسألهم الواحد تلو الآخر عن أحوال البلاد، بعد أن دكّت طائرات المحور المدن البريطانية، وشمل الدمار المدارس والمستشفيات والمصانع وكل مرافق الدولة، فأجابه كل الوزراء بأن الأمور في الحضيض، وأنهم سيبدأون من الصفر، عدا وزير العدل الذي قال له: القضاء بخير، فبريطانيا بخير.

سادسا– دوام عقد الجلسات وانتظامها

ولئن كان دستور الكويت قد اعتبر القضاء سلطة، وليس فرعا لسلطة أخرى أو مرفقا من المرافق العامة للدولة، وهو أمر يحمد عليه الدستور، إلا أن مرفق العدل يظلّ مرفقا عاما تتولى السلطة القضائية إدارته من خلال المحاكم ويخضع للمبادئ الأساسية التي تحكم المرافق العامة، ومنها وعلى رأسها المبدأ القاضي بانتظام واطّراد سير المرافق العامة.

والواقع أن هذا المبدأ يعتبر أكثر رسوخا في مرفق العدل، فهو أحد مكونات النظام العام بمدلولاته الثلاثة، الأمن العام والصحة العامة والسكينة العامة، وقد نصت المادة (49) من الدستور على أن «مراعاة النظام العام واحترام الآداب العامة واجب على كل سكان الكويت».

والخطاب وإن كان موجّها الى كل سكان الكويت، إلّا أنه يعتبر مفترضا أوليا، بالنسبة الى السلطات الثلاث، تتضافر في تحقيق مكوناته الثلاثة كل سلطات الدولة.

وكما لا يمكن إغلاق المستشفيات والمراكز الصحية أو تعطيلها في أي حال وفي كل الظروف، فإنه لا يمكن بحال من الأحوال إغلاق المخافر أو المحاكم وتعطيل جلساتها.

وغنيّ عن البيان، فإن تعطيل العمل بالدوائر الحكومية، بسبب وباء كورونا، لا يعدو أن يكون إجراء وقائيا، لضرورة اقتضتها حماية الأرواح من انتشار هذا الوباء الذي يغزو العالم كله ويفتك بالبشرية جمعاء.

والضرورة تقدّر بقدرها، فالحياة لا بدّ أن تستمر، وأن تخوض كل سلطات الدولة حربها ضد هذا الوباء بكلّ قوتها وكل إمكاناتها، لا أن تشلّ أجهزة الدولة وتتوقف عن العمل، فمستشارة ألمانيا ميركل ورئيس وزراء بريطانيا، جونسون، يترأسان مجلس الوزراء ويمارسان مسؤولياتهما في هذه الحرب، وكانا على فراش المرض يتعافيان من الإصابة بوباء كورونا.

وفي هذا السياق، فإن مجلس الوزراء في الكويت واللجان الوزارية، تجتمع من آن لآخر لبحث حلول الخروج من مأزق وباء كورونا، بأقلّ الخسائر البشرية والمادية.

ويتخذ مجلس الوزراء والوزراء مختلف القرارات، ومختلف التعاقدات التي يتطلبها انتظام سير المرافق العامة، فضلا عن مكافحة هذا الوباء، من ذلك التعاقد مع الفنادق لاستقبال العائدين من الخارج في حجز صحي، والتعاقد على معدات طبية وغير ذلك من مستلزمات مواجهة هذا الوباء والكشف عن الإصابات به وعلاجها.

يقول الشاعر

أحرامٌ على بلابله الدوح

حلال للطير من كل جنس؟

وهو ما يطرح سؤالا مشروعا هو: هل تبطل هذه القرارات وتبطل هذه التعاقدات، لأنها صدرت أو أبرمت خلال فترة العطلة، وبالمخالفة لتعميم العطلة سالف الذكر، كما أسيء الظن بأحكام القضاء التي تصدر خلال الفترة ذاتها؟

أقول بكل صدق وأمانة ويقين إن الظروف الاستثنائية التي تمرّ بها البلاد الآن، تصحح ما قد يكون شاب بعض القرارات والتعاقدات سالفة الذكر من تجاوز لبعض الشكليات في إصدارها، لأنّ الضرورات تبيح المحظورات.

وقد ذهبت المحكمة الدستورية في مصر وبالكويت الى أبعد من ذلك عندما قررت دستورية القوانين التي صدرت من مجلس الأمة، المبطل بالحكم الذي أصدرته ببطلان الانتخابات التي جرت لانتخاب أعضائه.

ونزيدكم من الشعر بيتا، هو فصل الخطاب في هذه المسألة التي نتناولها في هذه الدراسة أن الدستور قد تبنّى نظرية الضرورة، بما قررته المذكرة التفسيرية للدستور، أن نص المادة (90) من الدستور لا يمنع دستوريا من اجتماع المجلس في غير الزمان والمكان المقررين لاجتماعه، إذا دعت ضرورة لذلك، بالرغم من أن هذه المادة تنص على أن «كل اجتماع يعقده المجلس في غير الزمان والمكان المقررين لاجتماعه يكون باطلا، وتبطل بحكم القانون القرارات التي تصدر فيه».

وغنيّ عن البيان، وفقا لما تقدّم بيانه من أسباب لصحّة جلسات المحاكم، وصحة الأحكام التي تصدر خلال كارثة الوباء، فإن الضرورة، فضلا عن هذه الأسباب، توجب إقامة العدل والحفاظ على أمن البلاد في هذه الفترة، حتى في غياب هذه الأسباب.

والله وليّ التوفيق

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا