الحقيقة والمصطلح بقلم : غانم النجار

دسمان نيوز – الجريدة – من المقرر أن تضيف أزمة كورونا مفاهيم ومصطلحات ومفردات إلى اللغة، ربما أكثر من أي أزمة مرت عبر التاريخ. بعض تلك المفردات سيبقى، ويلتصق بالذاكرة، ويتحول لثقافة شعبية، في كل مجتمع على حدة حسب تجربته، وبعضها سيتبخر، ويضيع في الغبار. لمصطلحات الأزمات حضور في السرديات السياسية والاجتماعية، وتأثير كبير على اللغة وعلى الوعي بالأمور. لنأخذ بعض الأمثلة غير المتداولة.

في أبريل 1982 احتلت القوات الأرجنتينية جزراً قريبة منها مختلفاً على سيادتها بين بريطانيا والأرجنتين، فاشتعلت الحرب بينهما. كانت بريطانيا تسميها فوكلاند، بينما الأرجنتين تسميها مالفيناس. استمرت الحرب حتى يونيو، وراح ضحيتها 649 عسكرياً أرجنتينياً، بينما خسرت بريطانيا 255، وانتهت بانتصار بريطانيا ورفع العلم البريطاني باسمها فوكلاند. ومع أن العلاقات عادت بين البلدين سنة 1989 إلا أن المسميات مازالت قضية قائمة، حيث أدخلت الأرجنتين جزر مالفيناس في الدستور سنة 1994 كجزء من الأرجنتين.

يعد النظام العراقي السابق أحد أكثر الأنظمة عالمياً شغفاً بصياغة المصطلحات من العدم. كان هناك جهاز متخصص يتولى صياغة المصطلحات بشكل يومي. فلنأخذ مثالاً غير تقليدي، ففي ساعات الفجر الأولى من 23 فبراير 1996 أحاطت عائلة المجيد، بقيادة علي حسن المجيد، بمنزل شقيقة حسين كامل ابن عمهم، بمنطقة السيدية ببغداد. كان حسين كامل قد عاد للتو من الأردن، بعد انشقاقه عن صدام حسين. وكان صدام حسين قد اجتمع بعائلة المجيد، قائلاً لهم: “عائلة المجيد ارتكبت عاراً وإذا أنتم رجال عليكم غسل العار، ويجب أن يكون حسين كامل واخوته مقتولين قبل طلوع الشمس”. قام المهاجمون بإطلاق نيران كثيفة وقنابل حارقة، وعلى الرغم من المقاومة الكبيرة التي أبداها حسين كامل فإنه أصيب وسقط وتم قتله. وقد أصر صدام حسين على أن قتلهم إنما كان شأناً عائلياً، ولا علاقة للدولة به. ومع ذلك فقد قام جهاز المصطلحات بصياغة مصطلح غريب عن تلك العملية أسماها بـ”الصولة الجهادية”. ومع أنهم كانوا متهمين بالخيانة، إلا أنهم أطلقوا عليهم مصطلح “شهداء الغضب”. ولا أعلم إن كان قد تم تشييد نصب تذكاري لهم. بالطبع تبخر المصطلحان وطواهما النسيان، فليس كل مصطلح وجد ليبقى.

إلا أن المصطلح الذي لا يشق له غبار في الاستخدام السياسي على مستوى العالم هو مصطلح “معاداة السامية”، ليس بمعناه التقليدي، ولكن بتحويله، كما يتحور الفيروس، ليصبح سلاحاً سياسياً يتم استخدامه لتبرير العدوان وإيذاء الغير، وعلى الأخص تبرير احتلال فلسطين أو استخدامه ضد كل من ينتقد إسرائيل وسلوكها العنصري. بل تمكنوا في إطار محرقة الحرب العالمية الثانية من أن يوجدوا صناعة “الهولوكوست” لتكثيف المظلومية.

من الواضح أن أزمة كورونا القاتلة أدخلت الكثير من المصطلحات في لغتنا، ومن غير المعلوم كم من تلك المفردات سيبقى، وكم منها سيدخل ضمن الثقافة الشعبية، وكم منها سيتبخر حالما تنتهي الأزمة الحالية، وهو ما سنتطرق إليه لاحقاً.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا