خارطة طريق الإصلاح المالي للموازنة العامة للدولة..بقلم: بدر مشاري الحماد

دسمان نيوز – في ظل ردود الفعل المتباينة بشأن الإجراءات الاقتصادية التي بصددها الدولة لمعالجة الآثار المترتبة والمستمرة لانتشار وباء فيروس كورونا ما بين مؤيد ومعارض، ونحن هنا نتحدث عن إجراءات وليس إصلاحات، في حين ان الاقتصاد الكويتي للأسف يعاني أصلا من اختلالات اقتصادية، مما ضاعف العبء على الدولة في مواجهة تلك الاختلالات، في ظل الصدمة الاقتصادية التي جاءت نتيجة انتشار هذا الوباء، هذا، وستكون المهمة شاقة بالنسبة للفريق الاقتصادي المشكل من قبل مجلس الوزراء مؤخرا والمختص بوضع الركائز التحفيزية للاقتصاد المحلي.

ومن جانب آخر، والذي لا يقل أهمية عن الجانب الاقتصادي وهو الجانب المالي للدولة، فهو أيضا يواجه معضلتين، كما هو الحال في الجانب الاقتصادي، الأولى تتعلق بالإجراءات المطلوب اتخاذها للانعكاسات السلبية الحادة على المالية العامة للدولة بسبب الانخفاضات الحادة لأسعار البترول من جهة، ومن جهة أخرى المتطلبات المالية الطارئة المطلوبة في مواجهة وباء فيروس كورونا.

اما المعضلة الأخرى، المتعلقة بالجانب المالي، فهي الاختلالات المالية التي تعاني منها المالية العامة للدولة منذ سنوات طويلة في ظل تنامي الفجوة بين نمو حجم النفقات العامة الواردة في الميزانية وبين حجم الإيرادات المحصلة، والذي انعكس في تنامي العجز المتراكم في تمويل موازنة الدولة السنوية، والتي تستلزم بطبيعة الحالة تدبير المواد المالية اللازمة لسد هذا العجز المستمر، حيث تنامت المصروفات خلال السنوات المالية العشر (قبل خصم ما يخص احتياطي الأجيال القادمة) بنسبة 95%، مقارنة ببيانات السنة المالية 2009/2010 البالغة 11.2 مليار دينار، في حين بلغت المصروفات في السنة المالية 2018/2019 مبلغ 21.8 مليار دينار (وفق بيانات وزارة المالية المنشورة في موقعها الالكتروني)، وهذا يوضح مدى التزايد غير المنطقي في المصروفات الواردة في الميزانية، في ظل تذبذب الإيرادات خلال نفس الفترة حيث بلغت الإيرادات في السنة المالية 2009/2010 مبلغ 17.6 مليار دينار، ثم بلغت ذروتها في السنة المالية 2012/2013 بمبلغ 32 مليار دينار، وانخفضت في السنة المالية 2016/2017 الى مبلغ 13 مليار دينار، ثم ارتفعت مرة أخرى في السنة المالية 2018/2019 لتبلغ 20.5 مليار دينار.

ومسألة تدبير الموارد المالية اللازمة لمعالجة العجز سببت أيضا ردود فعل متباينة وأكثر حدة بشأن المقترحات الخاصة بسبل سد العجز في الموازنة العامة والتي منها مشروع قانون الدين العام، خاصة في ظل العاملين السابق الإشارة لهما، والذي سيتسبب في زيادة العجز بشكل غير مألوف خلال السنة المالية الحالية، وفي حال استمرار تأثيرهما على المديين القصير والمتوسط.

ان الازمة المالية التي طالت العالم اجمع بسبب وباء فيروس كورونا وكان للكويت نصيب فيها، وتتفاوت درجة تأثر الدول بها على مدى متانة المركز المالي للدولة ومدى حصافة إجراءاتها، تلك الإجراءات التي تعكس مدى الاستفادة من التجارب التي مرت بها الدولة في مواجهة الازمات المالية خلال العقود السابقة.

وبغض النظر عن مدى الحاجة الى قانون دين عام من عدمه ولن اخوض في هذا الجانب باعتباره حلا مؤقتا، علما بأن رصيد أدوات الدين العام بلغت في شهر مارس ٢٠١٩ مبلغ ٥٫٨ مليار دينار (وفق بيان وزير المالية ٢٠١٩/٢٠٢٠)، الا انه بات من الواضح والمؤكد حتى هذه اللحظة انه لم تتم الاستفادة من تلك الدروس السابقة، مما اصبح معه من الصعوبة تدارك الامر لإيجاد إصلاحات حقيقية للاختلالات المالية في الموازنة العامة للدولة، كما ان التأخر في اجراء تلك الإصلاحات انعكس على ارتفاع كلفتها سواء على مستوى الدولة او مستوى المواطن، هذا على الرغم من الالحاح المتكرر من المختصين والمهتمين بشؤون المالية العامة للدولة، بما في ذلك بعض الأجهزة الرقابية ومؤسسات المجتمع المدني التي دعت الى ضرورة معالجة أوجه الاختلالات في السياسات المالية المتبعة بالدولة والتفكير جديا باتخاذ قرارات حاسمة وسريعة وان كانت موجعة نسبيا.

ولعل من اهم الإجراءات الإصلاحية التي يجب ان تقوم الدولة بها للحيلولة دون انهيار المركز المالي للدولة على المدى البعيد، وانعكاسه سلبا على المركز الاقتصادي للدولة، بما لا يتسق مع ركائز رؤية الكويت 2035، نلخصها بالآتي:

أولا: تنويع مصادر الدخل لتعزيز موارد الموازنة العامة للدولة بما يحقق الاستدامة المالية للدولة من خلال:

1 – إقرار نظام ضريبي على الدخل على الا يشمل هذا النظام أصحاب الدخول المحدودة والمتوسطة.

2 – إقرار ضريبة القيمة المضافة على المبيعات، على ان تكون انتقائية على المواد والخدمات الكمالية وغير الضرورية.

3 – إعادة النظر في قيمة رسوم السلع والخدمات الحكومية وذلك بما يحقق الحد من الاسراف في استخدامها.

4 – خلق نظم فاعلة في متابعة المستحقات المالية للدولة وتحصيلها أولاً بأول.

ثانيا: إعادة النظر في أسلوب اعداد الموازنة العامة للدولة وعدم الاكتفاء بإعداد الميزانية بشكلها التقليدي (ميزانية برامج صرف)، وانما ربط الاعتمادات بالأهداف ومدى تحقيقها، بما يحقق قياس أداء الأجهزة الحكومية بشكل أكثر فاعلية وكفاءة لتحقيق الأهداف الاقتصادية، والاجتماعية.

ثالثا: إعادة النظر في عدد الجهات والمؤسسات الحكومية، والتي زاد عددها في العقد الأخير بنسبة 30% تقريبا، مما ارهق الموازنة العامة للدولة بجميع أبوابها وبشكل خاص باب الرواتب، ويتم ذلك من خلال دمج الجهات ذات الأنشطة المشابهة وإلغاء بعضها، على سبيل المثال لا الحصر الغاء الصندوق الوطني لرعاية وتنمية المشروعات الصغيرة والمتوسطة وإيكال إدارة المحفظة من قبل البنك الصناعي كونه متخصصا في مثل تلك الانشطة، دمج هيئة الشباب وهيئة الرياضة، ضم هيئة القرآن الكريم الى وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية ببرنامج مستقل، ضم كل من جهاز المراقبين الماليين ووحدة التحريات الى برامج ميزانية وزارة المالية والإبقاء على التبعية المباشرة لوزير المالية تحقيقا للاستقلالية الإدارية والمالية، وغيرها من الجهات والمؤسسات الحكومية.

رابعا: إعادة النظر في هيكلية الرواتب والأجور في الموازنة العامة للدولة، حيث ارتفعت كلفة مصروفات الرواتب والأجور في الموازنة من مبلغ 3 مليارات دينار في السنة المالية 2008/2009 الى مبلغ 7.2 مليارات دينار في السنة المالية 2018/2019 أي بنسبة 140% تقريبا (الوزارات والإدارات الحكومية)، وما يستلزم ذلك من اتخاذ الإجراءات التالية:

1 – تنفيذ سياسة عادلة للتوظيف ونظم المرتبات، وإلغاء التفاوت الكبير بين سلم الرواتب في مختلف الوزارات والإدارات الحكومية والهيئات ذات الميزانيات الملحقة والمؤسسات ذات الميزانيات المستقلة، وبما يكفل التوازن والعدالة في سلم الرواتب في القطاع الحكومي والخاص.

2 – إعادة النظر في رواتب الوزراء ومميزاتهم بما يتناسب مع مسؤولياتهم من جهة، والفروقات المالية الموضوعية مع المستويات الإدارية الأدنى منهم (الدرجة الممتازة) من جهة أخرى.

3 – الغاء الدرجة المالية (بدرجة وزير) في التعيينات المتعلقة برئاسة بعض الجهات الحكومية، والالتزام بالوظائف ودرجاتها المالية المنصوص عليها بالمرسوم بقانون رقم 15 لسنة 1979 بشأن الخدمة المدنية.

4 – إعادة هيكلة مكافآت الأعضاء المتفرغين في مجالس بعض الهيئات الحكومية، بحيث توازي مكافآتهم قرناءهم بوظائف ودرجات الخدمة المدنية.

5 – إعادة النظر في قوانين انشاء بعض الجهات والمؤسسات الحكومية التي منحها المشرع حق إقرار المميزات النقدية والعينية لموظفيها، بحيث يتم الغاء هذا الحق، وقصر تنظيم شؤون التوظف بالدولة على مجلس الخدمة المدنية باعتباره الجهة المختصة وفقا للمرسوم بقانون رقم 15 لسنة 1979 بشأن الخدمة المدنية، وذلك استنادا الى المادة 155 من الدستور.

6 – إعادة النظر في التشريعات الصادرة من مجلس الخدمة المدنية المتعلقة بمنح حوافز مالية للموظفين، بحيث يتم تقنينها او الغاء بعضها اذا لزم الامر، وربط تلك الحوافز بإنتاجية الموظف.

7 – إعادة النظر في نظام الترقيات وشغل الوظائف القيادية والإشرافية وربط شغلها بمبدأ الكفاءة والاستحقاق والمنافسة، من خلال وضع متطلبات لشغلها كاختبارات تحريرية ومقابلات شخصية واجتياز برامج تدريبية تؤهل المتقدم لشغل مثل تلك الوظائف، مع ضمان نزاهة وشفافية إجراءاتها.

خامسا: تفعيل قرار مجلس الوزراء رقم (812/سابعا/1) باجتماعه رقم (28/2004) المنعقد بتاريخ 18/7/2004 بشأن اصدار لائحة تنفيذية تتضمن مبدأ الثواب والعقاب في تقييم اعمال تنفيذ الميزانية بالجهات الحكومية، بما يتسق مع ركائز رؤية الكويت 2035 والمتعلقة بخلق إدارة حكومية فاعلة والتي اشارت الى مبدأ المساءلة، مما يستلزم ضرورة تقييم أداء العاملين بالأجهزة الحكومية ومحاسبة المقصرين، مع إعادة النظر في التشريعات الحالية المتعلقة بنظم تقييم الموظفين والتي يعاب عليها إمكانية منح جميع الموظفين اعلى تقييم دون معايير موضوعية واضحة.

سادسا: إعادة النظر في التشريعات المنظمة لدعم العمالة الوطنية في القطاع الخاص، بما يحقق الاستخدام السليم لهذا الدعم، وضمان صرفه لمستحقيه، مع تحقيق الضمانات المناسبة للعمالة الوطنية في القطاع الخاص، حتى تكون تلك التشريعات مشجعة وملزمة اذا تطلب الامر للعمل في هذا القطاع.

سابعا: ترشيد الانفاق على الدعومات بأنواعها والتي تتولى الحكومة تقديمها على السلع والخدمات، والتي عادة ما تكون بأسعار زهيدة جدا ولا تتسق مع كلفة إنتاجها او توفيرها، بحيث يتم ضمان وصولها لمستحقيها، والحد من زيادتها بما يرهق الموازنة العامة للدولة، مع إعادة النظر في أسلوب صرفها (نقدي بدل العيني) لإحكام الرقابة عليها، خاصة انه رصد في موازنة 2020/2021 مبلغ 3.9 مليارات دينار للدعومات بما يمثل نسبة 17% من اجمالي الموازنة العامة، وهي نسبة عالية نسبيا وتوضح ضخامة الأعباء المالية لبرامج الدعم الحكومي المختلفة.

ثامنا: إعادة النظر في التشريعات المتعلقة بنظام التأمينات الاجتماعية بما يخفف من العجوزات الاكتوارية في الصناديق التأمينية، والتي تتحملها الخزانة العامة للدولة من خلال سدادها لتلك العجوزات، بحيث تتم إعادة النظر في البرامج التأمينية التي تقدمها مؤسسة التأمينات الاجتماعية بما يتناسب مع أقساط التأمين.

تاسعا: عدم الموافقة على المقترحات بقوانين التي تقدم من قبل نواب مجلس الأمة، والتي تتسم بأنها شعبية اكثر من انها تنموية، ولا تحقق مصلحة عامة او قيمة مضافة للدولة، مع التأكيد على مبدأ فصل السلطات مع تعاونها وفقا لأحكام الدستور وعدم تنازل السلطة التنفيذية عن كل أو بعض اختصاصاتها المنصوص عليها في الدستور.

عاشرا: الاهتمام بتقارير الأجهزة الرقابية المختلفة كأداة للتقييم والمساءلة لأداء الأجهزة الحكومية وقيادييها، مع خلق منصة للتعاون والتنسيق بين الأجهزة الرقابية، ولتحقيق التكامل فيما بينها من جهة، وبين الجهات الرقابية والأجهزة الحكومية من جهة أخرى.

ولتنفيذ الإجراءات المالية فإن الامر يتطلب تهيئة المجتمع والمواطن بشكل مناسب من خلال تنفيذ حملة إعلامية مدروسة وواسعة النطاق، تستهدف تنوير الرأي العام عن تداعيات الخلل في الوضع المالي وتوضيح أهمية مشاركته ودعمه لتلك الاصلاحات الواجب اتخاذها، وتحث المواطن على الحد من الاسراف في الانفاق الاستهلاكي، وان تبرز الحكومة كشريك حقيقي في تلك الإصلاحات من خلال الشفافية والمصداقية في تنفيذها.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا