الأزمات واللغات… هل من علاقة؟ بقلم : أ.د. غانم النجار

دسمان نيوز – الجريدة  – يمر العالم بأزمة وباء “غير مسبوقة”، سببها فيروس كورونا. وللأزمات عموماً آثار متنوعة على المجتمعات، لا تقتصر على الأضرار المادية والجسدية والصحية، والاقتصادية والسياسية، بل تنتقل لآثار أخرى، أحياناً غير محسوسة، ومن أهمها: اللغة، وعادات المجتمع؛ كطقوس الموت، والغذاء، والتعليم، وغير ذلك.

تأثير الأزمات على اللغة أكبر من أن تخطئه العين، فقد يضيع الحدث في زحام الحياة، لكن لغة الأزمة تلتصق وتتسلل بالتدريج، لتصبح مكوناً للوعي العام بالأمور، وربما تتحول إلى أمثال يرددها الناس للاستدلال.

فلنأخذ مثلاً عملية تقسيم الإمبراطورية العثمانية، والشرق الأوسط، عبر مجموعة اتفاقيات سرية معقدة بين البريطاني مارك سايكس والفرنسي فرانسوا بيكو، عبر سنوات، إلى أن تم إعلانها عام 1920 في سان ريمو. كل تلك العملية تم اختزالها بمصطلح “اتفاقيات سايكس بيكو”.

ويُعد مصطلح “الحرب الباردة”، الذي جاء بعد الحرب الثانية من أقوى المصطلحات أثراً، والذي أطلقه بيرنارد باروك، مستشار الرئيس هاري ترومان، خلال محاضرة في نورث كارولينا في 16 أبريل 1947 ، إلى “القطبية الثنائية”، حتى جاء الرئيس السوفياتي غورباتشوف ليطلق مصطلح “غلاسنوست” و”بريسترويكا”، أي الانفتاح والعلانية، مما أدى بالتدريج إلى انهيار الاتحاد السوفياتي.

مصطلحات كثيرة فعلت فعلها في وعينا بالأشياء، بعضها عفوي وبعضها مُصنّع، كمصطلح “النكسة”، بينما هي كانت هزيمة فادحة للعرب في يونيو 1967 . وكذلك مصطلح “النكبة”، وهو ضياع فلسطين 1948 ، أو تاريخ “11 سبتمبر” الذي صار مصطلحاً أكثر منه تاريخاً، أو مصطلح “الإرهاب”، الذي تجاوز استخدامه المعنى والمبنى في العلاقات الدولية، أو “الربيع العربي”، أو “الثورة”، أو “الانقلاب”… وغيرها.

كما أن الأسماء الرمزية للعمليات العسكرية، وكلها يتم تصنيعها، غيرُ عفوية، مثل: “عاصفة الصحراء”، أو “عناقيد الغضب”، أو “تحرير العراق”، أو “ثعلب الصحراء”، أو “عاصفة الحزم”، أو “إعادة الأمل”، واللافت أن الاسم الأخير ذاته كان قد تم استخدامه في الصومال، في بداية التسعينيات، كعملية عسكرية دولية لإغاثة الشعب الصومالي، مما طرح مصطلحاً متفائلاً جديداً في العلاقات الدولية، وهو “التدخل الإنساني”، أو “التدخل الحميد”، بمعنى إمكانية استخدام القوة لدعم الإنسانية. إلا أن تلك العملية فشلت فشلاً ذريعاً في مقاديشو، بسبب أخطاء لم يكن لها مبرر. وهنا يبدو أن مصطلح “إعادة الأمل” كان جذاباً، بدليل استخدامه مرة أخرى، في الصراع العسكري باليمن، من قِبل التحالف الذي تقوده السعودية ضد الحوثيين.

فماذا عن “كورونا”؟ هذه الأزمة القاتلة التي ليس لها علاج، التي أصابت ما يقارب 3 ملايين وقتلت أكثر من 200 ألف في العالم… هل أثرت على اللغة والمصطلح؟

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا