««كورونا» مدخل جديد لضغوطات وتفاهمات من بوابة إدلب بين اللاعبين الإقليميين والدوليين الذين يبحثون عن فرص الإفادة من هذا الوباء

دسمان نيوز – في خضم الحرب وتبعاتها التي عصفت بالبلاد على مدار 9 أعوام، سورية أمام معركة أخرى مع ڤيروس «كورونا».

فانتشار الڤيروس في سورية يثير مخاوف لأنها ستكون الدولة الأكثر عرضة لهذا الوباء عالميا في ظل دمار للمستشفيات وتكدس للمخيمات التي ستسهم بشكل كبير في سرعة تفشي الڤيروس، والظروف المتردية للعديد من المدن السورية التي تعرضت للدمار في منظومة الخدمات الصحية الأساسية والبنية التحتية.

وحتى الآن لم يجر تخصيص أي موارد لمكافحة الوباء بسبب معاناة الموازنة من الإفلاس.

وترفض الحكومة إشراك المؤسسات الدولية في جمع المعلومات وإحصاءات أعداد العاملين في المجال الصحي.

وفي الوقت ذاته، فإن الأشخاص الذين يعانون أعراض الڤيروس يخشون الذهاب إلى المستشفيات.

وفي حال تسبب الڤيروس في سقوط المئات أو الآلاف من الوفيات، فإن هناك قلقا في دمشق من انعكاسات ذلك على الاستقرار للافتقار إلى القدرة على الاستجابة جراء تداعي منظومة الرعاية الصحية والتداعيات الاجتماعية والاقتصادية المروعة التي سيخلفها الوباء، في وقت أصبحت فيه قدرة البلاد على تحمل أي ضغوط إضافية محدودة للغاية.

العدد الأقصى لحالات الإصابة بالڤيروس التي يمكن خضوعها للعلاج في سورية يصل إلى 6500 حالة.

يشكل النازحون قنبلة موقوتة، إذ يتجاوز عددهم 6.5 ملايين شخص، بينهم أكثر من مليون (غالبيتهم نساء وأطفال) يقيمون على طول الحدود مع تركيا في العراق أو في خيم مكتظة أو في مخيمات مؤقتة.

وتعتبر ظروف كهذه بيئة خصبة لتفشي وباء «كورونا».

في وقت تتسم مناطق إدلب بكثافة سكانية مرتفعة، وسكانها يعيشون ظروفا معيشية قاسية، ما ينذر بكارثة صحية في حال دخلت الجائحة هذه المناطق.

وتُضاف الى ذلك الأزمة الاقتصادية التي تصاعدت في الأشهر الأخيرة وزادت من حجم الفقر والفقراء، جراء استمرار الحرب والعقوبات الخارجية، وتدهور سعر صرف العملة السورية مقابل الدولار الأميركي ليصل الى 1200 ليرة مقابل الدولار، بعدما كان 46 ليرة في 2011.

وتزداد الأزمة الاقتصادية مع العقوبات الأميركية والأوروبية على مؤسسات حكومية وشخصيات نافذة أو رجال أعمال بسبب دورهم في الحرب، وقرب تطبيق «قانون قيصر» الذي أقره الكونغرس الأميركي نهاية العام الماضي الذي يتضمن معاقبة أي جهة سورية أو غير سورية تساهم في إعمار سورية قبل تحقيق حل سياسي ذي صدقية اعتبارا من سريانه في منتصف يونيو المقبل.

ويبدو وباء «كورونا» مدخلا جديدا لضغوطات وتفاهمات من بوابة إدلب بين اللاعبين الإقليميين والدوليين الذين يبحثون عن فرص الإفادة من هذا الوباء للوصول إلى اختراقات سياسية وسط وجود 3 مناطق مختلفة بين الدول الغربية: دمشق، الإدارة الذاتية شرق الفرات، وشمال غربي سورية.

بدأت واشنطن شن حملة ديبلوماسية مضادة لمنع الحكومتين الروسية والسورية من الإفادة من وباء «كورونا» في فك العزلة السياسية المفروضة على دمشق وتخفيف العقوبات الاقتصادية الأوروبية والأميركية عنها، في مقابل جهود روسية لإثارة ملف العقوبات الأحادية وغير الشرعية، في وقت برزت أصوات أوروبية تقترح مقاربة مرنة ودعم مسار خطوة – خطوة بين دمشق والغرب.

يقوم الموقف الأميركي، وفق مسؤولين غربيين، على أن الحكومة بسورية تشن حملة ممنهجة بدعم روسي لاستغلال وباء «كورونا» كوسيلة لتخفيف العقوبات المفروضة عليها.

وتزعم أن العقوبات الأميركية تُلحق ضررا بجهود مواجهة الوباء، مع انتقادات للأمم المتحدة، وأن حملة التضليل الحكومية ترمي لتقويض الإجماع الدولي بشأن ضرورة عزل النظام سياسيا وديبلوماسيا واقتصاديا.

وتتبلور ملامح استراتيجية أميركية تجاه سورية تتضمن سلسلة من الإجراءات العسكرية والسياسية والديبلوماسية والاقتصادية والتشريعية لوضع دمشق في صندوق العزلة لسنوات، على أن يكون منتصف يونيو المقبل موعدا فاصلا في ذلك، جراء بدء تنفيذ «قانون قيصر» الذي يفرض عقوبات صارمة على أي جهة سورية أو غير سورية تساهم في عملية الإعمار.

تتجه الأمور تصاعديا نحو تكثيف الضغوط على دمشق.

وباتت في السلة الأميركية سلة اقتصادية وسياسية وديبلوماسية وعسكرية. كما ينظر أميركيا إلى تفاقم الأزمة الاقتصادية في لبنان بصفتها عاملا إضافيا لتعزيز حملة الضغوطات على دمشق، وخفض قيمة الليرة السورية، وتراجع الجانب المعيشي، وزيادة شكوى شخصيات نافذة في دمشق.

وسياسيا، ستواصل واشنطن علاقاتها مع المعارضة السياسية، والاتصال مع النازحين واللاجئين السوريين لتعزيز الصفوف، إضافة إلى التنسيق مع الدول الداعمة للمعارضة، ضمن المجموعة الصغيرة.

وفي السياق الديبلوماسي، تواصل واشنطن اتصالاتها العلنية والديبلوماسية مع دول عربية وأوروبية لمنع التطبيع السياسي والديبلوماسي مع دمشق.

وأما السلة العسكرية من الضغوطات، فإنها تشمل عددا من البنود:

– الأول: استمرار الوجود العسكري شرق الفرات برا، والحظر الجوي لدعم حلفاء واشنطن في «قوات سوريا الديموقراطية»، ومنع قوات الحكومة من السيطرة على هذه المناطق، وحرمانها من الموارد الطبيعية، من نفط وغاز ومحاصيل زراعية وسدود للمياه والطاقة.

– الثاني: استمرار بقاء قاعدة التنف لقطع طريق الإمداد بين طهران ودمشق، وتقديم دعم لوجستي للعمليات الخاصة بالتحالف أو إسرائيل.

– الثالث: تقديم دعم استخباراتي وديبلوماسي لتركيا في مناطق نفوذها، ومواجهة قوات الحكومة وروسيا في إدلب، والبحث في إمكانية الاستثمار في الفجوة بين موسكو وأنقرة جراء إدلب.

– الرابع: مباركة الغارات الإسرائيلية على مناطق مختلفة في دمشق وجوارها وسورية، ذلك أن الاعتقاد في واشنطن أن حملة الضغوط وإبقاء دمشق بالصندوق تعطي مجالا لإسرائيل لشن غارات لتقويض النفوذ الإيراني في سورية.

بالنسبة إلى الجانبين الأميركي والأوروبي، هناك اعتقاد بوجود خمس أوراق ضغط:

الأولى، المساهمة في إعادة اعمار سورية.

الثانية، التطبيع مع دمشق وشرعنة النظام.

الثالثة، العقوبات الاقتصادية.

الرابعة، الوجود العسكري للتحالف بقيادة أميركا في شرق الفرات.

الخامسة، السيطرة على الموارد الاستراتيجية من نفط وغاز وثروات.

الجديد هنا، أن الوجود العسكري الأميركي الجديد بات متجذرا في عقل الرئيس دونالد ترامب أكثر من أي وقت مضى: إنه امتلاك النفط وحمايته والدفاع عنه.

التوقعات الغربية، أن المسار المقبل نحو دمشق هو تصعيد الضغوط وليس تخفيفها.

عمليا، يعني ذلك بطء مسار التطبيع العربي الديبلوماسي والسياسي والاقتصادي، الثنائي والجماعي.

تردد رجال الأعمال العرب في المساهمة في مشاريع الإعمار وتريث فتح خطوط الحركة البرية والجوية إلى دمشق تخوفا من العقوبات.

حذر دول أوروبية من تسخين الطريق إلى دمشق (كانت هنغاريا وقبرص أعلنتا نية استئناف النشاط الديبلوماسي وألمحت روما إلى حوار مع دمشق)، زيادة الأزمة الاقتصادية في سورية وتدهور سعر صرف الليرة بفعل سياسة الضغط والعقوبات والأزمات في الدول المجاورة خصوصا لبنان.

روسيا، ودول إقليمية من ورائها، تعمل على مسارات عسكرية وديبلوماسية واقتصادية لإيصال رسالة إلى واشنطن، بالرهان على الوقت والإمساك العسكري بالأرض وتغيير الوقائع.

ومواعيد أميركا مع الانتخابات الرئاسية نهاية العام وتحديات أوروبا الداخلية بفعل الهجرة والإرهاب والانقسامات.

هناك حملة ديبلوماسية روسية لتطبيع أوروبي، وإعادة دمشق إلى «العائلة العربية»، والإفادة من قرب موعد الانتخابات البرلمانية السورية في الأسابيع المقبلة، والرئاسية في عام 2021 أما التعاون الروسي ـ الأميركي، فإنه لم يؤت ثماره سوريا في الإطار السياسي، باستثناء منع الصدام العسكري مع أميركا، أو غض الطرف عن القصف الإسرائيلي.

من الواضح أن مؤيدي التقارب لإنقاذ سورية من أزمتها الاقتصادية، والمدافعين عن حملة الضغوط، يرون أن الفرصة مؤاتية لانتزاع تنازلات جيوسياسية من دمشق تخص تقليص النفوذ الإيراني أو التوغل التركي أو التركيبة السياسية الداخلية تحت وطأة انتشار «كورونا».

لقد باتت سورية تسبح بين ضفتين: الأولى، هبوب رياح تقارب سياسي من البوابة الإنسانية.

الأخرى، استمرار الضغوط الديبلوماسية والاقتصادية والعسكرية. قد تختلف أهداف الطرفين من الضغوط أو الإغراءات، لكنها تتفق إلى حد كبير في أولوية مطالبة دمشق بالابتعاد عن طهران وتقديم تنازلات سياسية داخلية.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا