ننشر أسماء مخالفي «الحجر» أو«الحظر» غير دستوري

دسمان نيوز – يواجه القرار الذي اصدره مجلس الوزراء أمس الاول، بنشر اسماء المخالفين للحجر المنزلي او الحظر الجزئي في الصحف اليومية او بوسائل التواصل الاجتماعي، العديد من المثالب الدستورية والقانونية، فضلا عن تحميله الخزانة العامة تعويضات قد ترهقها في وقت هي أحوج ما تكون إلى المحافظة على مواردها وإبعادها عن الهدر عبر قرارات غير مشروعة.

وقبل الولوج إلى المخالفات والمثالب التي تواجه هذا القرار، استنادا إلى دراسته من الناحية القانونية، يتعين الاشارة الى مسائل في غاية الاهمية، كمحاولة للوقوف على ابعاد هذا الموضوع، ونوردها في ثلاث مسائل:

الاولى: أن قانون مكافحة الاوبئة والامراض السارية اعطى لوزير الصحة صلاحيات استثنائية لمواجهة هذه الظروف غير الاعتيادية، والتي تستدعي بطبيعتها من السلطات الصحية اتخاذ إجراءات خاصة لمواجهة تلك التداعيات والتي لا يمكن للتشريعات الاخرى تدراكها، ولذلك فقد نص القانون على تلك الصلاحيات بمنتهى الصراحة والوضوح، لأنها تأتي استثناء من الاصل العام الذي يضمنه الدستور للافراد من الحقوق والحريات، حيث استقطع منها هذا القانون جزءاً مهماً لدواعٍ خاصة، بعد تحقق إطارين لذلك، الاول موضوعي متعلق بمحتوى هذا المرض وتداعياته، والثاني زمني مرتبط بزمن دخول الوباء وتداعيات استمراره التي توجب استمرار تلك الاجراءات طالما بقي الوباء.

المسألة الثانية : أن تلك الحدود التي اوردها المشرع في القانون رقم 8/1969 بشان الاوبئة والامراض قد بينت الصلاحيات التي كفلها القانون لوزير الصحة، كما بينت الافعال التي ينبغي على الافراد تجنبها، وإلا وجبت معاقبتهم وفق أحكام هذا القانون والتي وردت على سبيل الحصر، وتم تعديلها مؤخرا في القانون رقم 4/2020 بتشديد العقوبات واضافة محظور جديد لمن يتعمد نقل العدوى فتتم معاقبته بالحبس مدة لا تزيد على 10 سنوات.

الثالثة : أن الأحكام المنظمة للصلاحيات التي يملكها وزير الصحة من حجز وعزل مناطقي واتخاذ كافة التدابير المتصلة بذلك يستند فيها الى القانون رقم 8/1969 وتعديلاته، بينما يستند الحظر الجزئي الذي اصدره مجلس الوزراء الى القانون رقم 21/1979 بشان الدفاع المدني استنادا الى الفقرة 15 من المادة الثانية من القانون، والذي جعل وزير الداخلية هو رئيس لجنة الدفاع المدني وأوكل له العديد من الصلاحيات الواردة في القانون، كما حدد الافعال التي يتعين على الافراد الالتزام بها وقرر عقوبة الحبس مدة لا تجاوز 3 سنوات مع غرامة لا تزيد على 10 آلاف دينار، ولم يرد في اي من القانونين، الخاص بالاوبئة او الدفاع المدني، ما يسمح للسلطات الصحية او الامنية المعنية بهذا القانون، بحق نشر اسماء المخالفين في الصحف او وسائل التواصل الاجتماعي.

مخالفات القرار

وبعد ذكر تلك المسائل، يتعين الاشارة الى بيان المخالفات التي يثيرها قرار مجلس الوزراء بنشر الاسماء، وتتمثل في التالي:

أولا: نصت الفقرة الاولى من المادة 32 من الدستور الكويتي على انه لا جريمة ولا عقوبة الا بناء على قانون، وحيث انه بعد الرجوع الى أحكام القانون رقم 8/1969 وتعديلاته والقانون رقم 21/1979 فقد خلوَا تماما من الاشارة الى جواز نشر اسماء المخالفين لأحكام هذا القانون سواء بعد المخالفة او قبلها أو حتى ما يسمح لسلطة الاتهام بذلك بل وحتى صلاحية المحاكم الجزائية التي تقضي بإدانتهم فيما بعد.

ولما كان الدستور قد حدد الاداة التي تتقرر بها العقوبات بحكم الفقرة الاولى من المادة 32 من الدستور وهي اداة القانون، فإنه لا يجوز معه ان تاتي اداة اقل وهي اللائحة او القرار الوزاري لتقرر عقوبة تكميلية، وهي نشر اسم المخالف او عندما تتخذ بحقه إجراءات ضبط للمخالفة، وذلك لانها لم ترد في حكم القانون، مما يكون معه القرار الصادر مخالفا لقواعد المشروعية، ويحق لمن تضرر من القرار الطعن عليه لالغائه وطلب التعويض.

ثانيا : كفلت المادة 30 من الدستور الحرية الشخصية والمادة 39 خصوصية الافراد وعدم جواز الافشاء لسرية تلك الحياة الخاصة، ومنها السر الطبي للمريض الا في حدود القانون، والتي منها المشتبه في اصابتهم بالمرض، وهي من بين الاسرار التي أكدتها المحكمة الدستورية في القرار التفسيري رقم 3/1982، خصوصا اذا ما كانت الاجراءات المتخذة او القرارات تنطوي على المساس بحق من حقوق الانسان وحريته وهي حقه في التمتع بالخصوصية، وهي من الحقوق التي احاطها المشرع الدستوري بسياج كبير للحفاظ عليها.

واضافة إلى ذلك فالقول بأن الفقرة الاخيرة للمادة 15 من القانون التي تسمح للوزير بان يصدر اي تدابير يراها مناسبة، تبرر له حق نشر الاسماء، يعد توسعاً في غير محله، ولا يمتد الى تقريره لعقوبات واجراءات احترازية قد تنال من حريات الافراد وحقوقهم، لنص القانون صراحة على ما قد ينال منها في مواد القانون، ولذلك فانه يقصد بالتدابير في الفقرة الاخيرة للمادة 15 ما يتعلق بضمان عدم انتشار الوباء والتأكيد على إجراءات التطعيم منه واية تدابير اخرى تساعد السلطات الصحية على مكافحته في حدود ما قررته مواد القانون، والتي لا يوجد بينها وبين مسألة نشر اسماء المخالفين اي رابطة سببية تبرر اتيان وزير الصحة بهذا الفعل.

بل انه حتى في حال هروب شخص تأكدت اصابته، وتريد السلطات نشر صورته واسمه ليساعد في أمر ضبطه، فإن ذلك قد يكون جائزا في حالات تقدرها سلطة الاتهام باعتبارها من الوسائل الاحترازية لجهة التحقيق، مع اشتراط أن تكون بإذن من سلطات التحقيق القضائية باعتبارها الجهاز المعني بالحفاظ على حقوق وحريات الافراد تجنبا لانتشار الوباء، بعد رفع تقارير تؤكد اصابته او ما لديه من اعراض، عندئذ يسمح بالنشر في تلك الحدود الضيقة وضمن الإجراءات الاحترازية، وهو الامر الذي لا يمنح السلطات الصحية او الامنية مباشرة حق نشر اسماء المخالفين لمجرد الاشتباه بهم او المخالفة للقرارات.

ثالثا : أكدت المادة 34 من الدستور ان المتهم بريء حتى تثبت ادانته في محاكمة قانونية، والثابت من المادة انها اكدت ان الاصل هو البراءة وهي قرينة تلازم الشخص طوال فترة الاتهام الى ان يقضى بإدانته في محاكمة قانونية توفر فيها كل الضمانات، ولذلك فنشر الاسماء، والذي اعتبرته تشريعات عديدة، ومنها قانون حقوق المؤلف، من العقوبات التكميلية لا يجوز ان يتم، وخصوصا في مرحلة المخالفة، وقبل حتى مرحلة الاتهام التي توجهها عادة سلطات التحقيق، لاسيما ان الشخص في هذه المرحلة تلازمه قرينة البراءة ولا يجوز ان يتم نشر صوره بها لأن ذلك من ضمن العقوبات التي لا يجوز اتمامها إلا بعد ادانته في القضية وبحكم نهائي.

رابعا: القول بوجود صلاحية تعطي لوزير الصحة امكانية اتخاذ اي قرارات تعد من قبيل التدابير ومنها نشر الاسماء، على الرغم من عدم سلامته وانتهاكه للقواعد الدستورية المتصلة بالمشروعية والخصوصية واصل البراءة، الا انه قول لا يصح قبوله نهائية لتعارضه المباشر مع تلك القواعد الدستورية، وذلك لأن من يخالف الحظر الجزئي يكون مخالفا لقانون الدفاع المدني رقم 21/1979 والتي صدر الحظر استنادا الى الفقرة 15 من المادة الثانية منها، ولا ترد الفقرة الاخيرة من المادة 15 من قانون الاوبئة باي من مواد قانون الدفاع المدني، وعليه تنتفي حتى العلة والمبررات التي يرى سلامتها البعض لنشر اسم المشتبه في اصابته مع المخالف للحظر الجزئي.

وإزاء تلك المخالفات الواردة في القرار الصادر من مجلس الوزراء بالسماح بنشر الاسماء في الصحف ووسائل التواصل الاجتماعي، ومع افتقاده للسند التشريعي المبرر له ولانتهاكه حق الخصوصية والسر الطبي للافراد بالتشهير بهم بمرحلة تحرير المخالفة او الاتهام بما يخالف أحكام الدستور في المواد 30 و32 و34 و39 من الدستور، فهذا يستدعي ضرورة اعادة النظر في القرار لما قد يكلف تطبيقه في ظل حق الافراد في الرجوع بالتعويض على الدولة وعلى الصحف التي قامت بنشر تلك الاسماء، اذا ما صدرت أحكام قضائية باتة بتبرئة المتهمين من مخالفات الحجر او الحظر المنسوبة اليهم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا