تأثير انتشار ««كورونا» في منطقة الشرق الأوسط

دسمان نيوز – تضع أزمة انتشار ««كورونا»، في منطقة الشرق الأوسط عموما والدول العربية خصوصا، مجتمعات واقتصادات وحكومات أمام تحديات كبيرة، في وقت تواجه فيه هذه الدول أزمات اقتصادية عميقة، وعلى الرغم من صعوبة التنبؤ بتداعيات هذا الوباء على مستقبل المنطقة، لأن هذه الأزمة متشابكة ومتراكمة ومتعددة الأطراف، فإنه يمكن الاستناد إلى آراء مجموعة من الخبراء والأكاديميين المختصين من أجل رسم الصورة المحتملة خلال القترة المقبلة:

1 ـ سياسيا وأمنيا:

٭ نجح الوباء في تفريغ شوارع المتظاهرين في الجزائر ولبنان والعراق، واستعادت جيوش هذه الدول الساحات العامة لتنفيذ إجراءات «الحجر الصحي».

٭ أوقف انتشار الڤيروس الصراعات في العراق وسورية واليمن وليبيا، فقد يكون «كورونا» غير في سلوك هذه الدول في التعاطي لحل هذه الأزمات، إلا أنه من المرجح أنه بعد انتهاء الوباء ستعود كل الأزمات الى الواجهة، وربما بوتيرة أكثر حدة.

٭ تأثير الوباء سيكون أكثر حدة في الدول الهشة، إذ إنها تقع في صميم محاور الصراع المتعددة داخل المنطقة. وهذا سيغذي الصراع، واحتمال تجدد موجات الإرهاب والتمرد، والتدخل الإقليمي، الأمر الذي سيؤدي بدوره إلى خسائر فادحة لدى السكان في مناطق الصراع المنكوبة. وسيزيد الضغط على البيئة الأمنية الإقليمية المجهدة أصلا.

٭ انتشار «كورونا» سيشكل اختبارا قاسيا لمرونة وقدرة صمود ليس فقط دول المنطقة على الصعيد الفردي إنما النظام الإقليمي ككل. إن المهمة المعقدة لإدارة الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية للأزمة ستشكل تحديا كبيرا لحكومات دول المنطقة.

2 ـ اقتصاديا:

٭ خسائر فادحة في التجارة والتعاون الاقتصادي بين الصين والعالم العربي. والخسائر بمئات ملايين الدولارات يوميا، لأن الصين أضحت أهم شريك تجاري لكل الدول العربية عدا المغاربية منها. فحجم التبادل التجاري بين الطرفين يزيد على 240 مليار دولار سنويا خلال العامين الماضيين مقابل 190 مليار دولار عام 2011 و40 مليار دولار عام 2004.

وإن دلت هذه الأرقام على شيء فعلى نمو هائل وصلت نسبته إلى 20% خلال سنوات عدة من العقد الجاري. وأول التبعات السلبية ظهرت في تراجع سعر برميل النفط بمعدل 2 إلى 6 دولارات للبرميل منذ اندلاع أزمة ڤيروس كورونا، وهو الأمر الذي يعني تراجع ايرادات الدول العربية النفطية. وسيزيد الطين بلة تراجع الطلب على النفط من الناحية الكمية بسبب توقف الإنتاج في مناطق صينية عدة وتراجع حركة السفر والتجارة.

كما أن أسواق الدول العربية ستتأثر بتراجع الإنتاج الصناعي الصيني من السلع الاستهلاكية، فمثل هذا التراجع سيقود إلى قلة المعروض من هذه السلع وارتفاع تكاليف النقل والتأمين عليها بسبب المخاوف الحقيقية والنفسية إزاء التجارة مع الصين والدول المجاورة لها مثل كوريا الجنوبية. ومن تبعات ذلك ارتفاع تكاليف مستوى المعيشة وتراجع القوة الشرائية لفئات الدخل المحدود والطبقة الوسطى العربية التي اعتادت على استهلاك المنتجات الصينية الأنسب سعرا مقارنة بالمنتجات الأوروبية والأميركية واليابانية المشابهة.

٭ آثار اقتصادية كبيرة على النشاطات الاقتصادية ذات الطابع الموسمي مثل السياحة، إذ تعد السياحة في الشرق الأوسط، خارج الاقتصادات الغنية بالنفط، النشاط الاقتصادي الأكثر تأثرا بالتدفقات الدولية وبالتالي الأكثر تأثرا.

٭ انخفاض الإنتاج في عدد كبير من القطاعات، وانخفاض الإنفاق الاستهلاكي بسبب ضعف القوة الشرائية، وتدني الإنفاق الاستثماري بسبب عدم اليقين، وانغلاق أسواق التصدير السلعي والخدمي بسبب مشاكل النقل. كما تأجيل قرارات شراء السلع، خاصة المعمر منها، وقرارات الاستثمار في مشروعات جديدة، انتظارا لانقشاع الغيمة.

٭ عدم قدرة العمال ذوي الدخل المنخفض، في جميع أنحاء المنطقة، على إنجاز عملهم عن بُعد (في المنزل) ولا يحصلون على رواتبهم إذا تغيبوا عن عملهم. ومع استمرار الحجر المنزلي ودخول الاقتصادات في مرحلة الركود، ستتضرر شرائح المجتمع الأكثر فقرا ـ التي تشكل غالبية المواطنين ـ بشكل غير متساو. إذ سيجد اللاجئون والعمال المهاجرون أيضا أنه من المستحيل التعامل مع تداعيات هذا الوضع.

3 ـ اجتماعياً:

٭ ارتفاع البطالة، إذ هناك مليون و700 ألف شخص عامل لا يعمل إضافة إلى العاطلين عن العمل في المنطقة العربية.

٭ اشتداد الفقر، إذ إن إمكانات هذه الدول المادية للإنفاق المطلوب محدودة، ومعيشة المواطن ستضرر.

٭ اللاجئون لا يحصلون على خدمات صحية وقائية كافية وأغلبيتهم من النساء والأطفال. فهم لا يستطيعون الوصول إلى خدمات وأدوات النظافة الأساسية، أو لا يستفيدون من الاستجابة للأوضاع الخاصة بالمرأة اللاجئة، أو للمهمشين الذين يعانون ظروفا صحية صعبة، والتي هي، في كثير من الأحيان، الصبغة السائدة لأوضاع اللاجئين التي من شأنها أن تضاعف من معاناتهم.

٭ العادات والتقاليد الاجتماعية طرأ عليها تغيير مفاجئ: غابت المصافحة بالأيدي، وتوقف العناق، وعلقت الزيارات المتبادلة، والموتى باتوا يوارون في الثرى دون مآتم. حتى التعليم الذي كان مرتبطا بالحضور على مقاعد الدراسة ومطعما بالوسائل الإلكترونية المساندة، توقف ليحل محله التعليم والتعلم عن بعد بفعل إقفال المدارس والجامعات في معظم دول العالم.. هذا التغيير الظرفي سيكون له تأثير لاحق.

لدى معظم الدول والمجتمعات العربية القدرة الهائلة على الصمود بوجه التحديات، وتتميز المجتمعات العربية أيضا بفزعتها لبعضها البعض خلال فترة الأزمات. ولكن يجب تحديد بعض الدروس المستفادة المحتملة عند تجاوز هذه الأزمة.

فهذا قد يكون حافزا لمراجعة جدية لمنظومة الأمن والسلامة البيولوجية في العديد من الدول العربية وبشكل منهجي بهدف تعزيز القدرات والإمكانات لمواجهة المخاطر البيولوجية المستقبلية. أما التغاضي عن هذا الأمر والاستمرار في بناء السياسات على أفضل السيناريوهات أو الاعتقادات المتفائلة غير المبررة باعتبار أن هذا هو آخر تفش ممكن حصوله، فهو أمر غير عملي.

وتشير التوقعات المتفائلة إلى أن الشرق الأوسط قد يتمكن من احتواء تفشي الوباء بحلول يونيو المقبل تقريبا.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا