د. بشاير الماجد تكتب «مناعة القطيع» حل سياسي مرفوض

سياسة مناعة القطيع، النظرية العلمية المثيرة للجدل التي أعلن عن تبنيها رئيس وزراء بريطانيا بوريس جونسون لمعالجة أزمة كورونا والتي صدمت الشارع البريطاني والعالم، ثم تراجع عنها بعد ذلك ليبدأ بسياسة الحجر مثل أغلبية الدول.

مناعة القطيع، نظرية علمية موجودة طبيا وليست اختراعا أو فكرة جديدة، مثلما يروج لها البعض، فهي تحدث في المجتمع بصورة دائمة كما يحدث مع فيروس الإنفلونزا الذي يقتل ما بين 290 إلى 650 ألف شخص سنوياً. مفهوم هذه النظرية بإيجاز أن المجتمع يكتسب مناعة جماعية تلقائيا إذا سمح للمرض بالانتشار، فالاغلبية العظمى من المجتمع سيكوّنون مناعة طبيعية كرد فعل طبيعي ضد أي فيروس.

وهذا ما حصل للعديد من الأمراض التي عاصرتها البشرية في السابق وانتشرت ثم اختفت، فالإنسان أوجد مناعة لمقاومتها إما طبيعيا أوعن طريق التطعيمات. وهناك دول تبنت سياسة «مناعة القطيع» ـ كالسويد وهولندا ـ ولكنها لم تحصد هذا الزخم الإعلامي والاستهجان الكبير، على عكس ما حدث بالنسبة لبريطانيا، فهل اتباع سياسة مناعة القطيع يتعارض مع «دستور الخدمة الصحية الوطنية البريطاني» الذي ينص خصوصا في المواد من 1 إلى 7 على حماية الصحة العامة وصحة الأفراد بأفضل المعايير، خصوصا دافعي الضرائب.

مسؤولية غير مقننة

في بريطانيا الدولة الديموقراطية ذات الدستور غير المقنن، التي تستقي نصوصها الدستورية من قضائها الشامخ ومبادئها الدستورية العرفية المستقرة، إضافة إلى قوانينها الصادرة من برلمانها العريق، نرى مبادئ وأسس الصحة العامة ومسؤولية حماية المجتمع الصحية موجودة في الأحكام القضائية، مثل حكم محكمة التمييز (اللورد بنغام)، فلا يعدو أن يكون دستور الخدمة الصحية الوطنية البريطاني دستورا ارشاديا فقط لكيفية عمل المنظومة الصحية في البلاد، فهو ليس ملزما بنصوصه للحكومة مطلقا، ولكنه يوضح آلية عمل المنظومة الصحية.

وتختلف الآراء بالنظر إلى دستور الصحة البريطاني وطريقة فهم نصوصه، فقد يفهم أن القرارات الأولية المتخذة من الحكومة تعارض مبادئ الصحة العامة، وقد يفهم انه العكس، حيث ان مبادئ الصحة العامة تقتضي حماية المجتمع بأكمله والنظر في مصلحة المجتمع بنظرة شاملة.

3 مراحل

وفي اعتقادنا أنه يمكن تلخيص موقف بوريس جونسون والسياسة البريطانية المتبعة حتى الآن من أزمة كورونا في ثلاث مراحل أساسية:

الأولى: وهي تصريحه بتبني سياسة مناعة القطيع وطرحها للعامة لأول مرة وتكييفها بأنها نهج بريطانيا لمعالجة أزمة كورونا، حيث قام السير باتريك فالانس، كبير علماء بريطانيا ومستشار الحكومة، بشرح هذه النظرية للعامة كون بريطانيا دولة شفافة في سياستها، ويجب عليها التصريح بخطتها لمواجهة الفيروس بدقة، وعليه نال شرح هذه النظرية بالأسلوب العلمي استهجان وتوتر الشارع البريطاني، خصوصا ان السير باتريك فالانس تحدث بأسلوب علمي بحت، وهناك عدد كبير لم يسمع بهذه النظرية من قبل، وأصبحت وسائل التواصل متصدرة تفسير هذه النظرية، وقد تكون بالغت في الترويع، خصوصا بالتصريح أنه يجب ان يصاب %60 من الشعب البريطاني بالفيروس لتكوين مناعة القطيع حتى يصل فصل الصيف، وذلك لتجنب انفجار في أعداد المصابين من ثم استهلاك وارهاق المنظومة الصحية في البلاد. وعليه كتب 229 عالما بريطانيا رسالة موقعة للحكومة برفض هذه السياسة التي لا تلاقي إجماعا بين علماء بريطانيا، وطالبوا بسياسة أكثر جدية وصرامة لمواجهة ما يحدث.

– المرحلة الثانية: وهي تراجع بوريس عن هذه السياسة وسط الاستهجان الكبير وإقراره بضرورة اتخاذ التدابير الحازمة، وعزل الذين تزيد أعمارهم عن 70 عاماً عن المجتمع وبالتالي إضعاف فرصة إصابتهم بالفيروس، ولكنه لاقى أيضا استهجانا من هذه الطبقة التي تشكل غالبيتها حزب المحافظين الذي ينتمي إليه.

– المرحلة الثالثة: وهي قراره باحتواء المرض واتباع سياسة الحجر مثل أغلب دول العالم (فرنسا – اسبانيا – الكويت)، وفرض تدابير وإجراءات صارمة كغلق المطاعم والمقاهي والأندية.

وجاءت هذا الإجراءات بعد ضغوطات كبيرة جدا، وعليه ونتيجة للضغوطات الداخلية صرحت وزارة الصحة والرعاية الاجتماعية أن «مناعة القطيع ليست جزءاً من خطة عمل المملكة المتحدة للتصدي لفيروس كورونا ولكن مناعة القطيع نتيجة طبيعية لأي وباء وستحدث لا محالة».

تعهد بالرواتب

من الجدير بالذكر أن فرنسا هددت بإغلاق الحدود وعدم استقبال أي مسافر من بريطانيا إذا استمرت بريطانيا في نهجها هذا في مواجهة هذا الوباء، وعليه نتيجة هذه الضغوط الداخلية والخارجية قامت بريطانيا بتشديد إجراءاتها وفحص أكبر عدد ممكن من المصابين.

كما أصدرت بريطانيا لأول مرة في تاريخها تعهدا بدفع %80 من رواتب الذين تضرروا من هذا القرار وذلك تجنبا لحصول كارثة اقتصادية. على الرغم من أن هذا القرار أسعد الذين فقدوا وظائفهم، فإنه أثار حفيظة البعض الآخر، حيث تم رصد مبلغ 330 مليار جنيه إسترليني لهذه الأزمة، الأمر الذي أدى إلى انخفاض الجنيه لمستويات قياسية، وعبر البعض عن غضبه من هذا القرار بأن الحكومة ستسترجع هذه الأموال برفع الضرائب والاقتراض، وبالتالي انخفاض مستوى الناتج المحلي وزيادة الأعباء المالية للأفراد.

هذا وقد أعلنت بريطانيا عن مشروع قانون الطوارئ الضخم (كورونا) بسرعة قياسية ويتكون من 329 صفحة تم فيه التعديل على عدة قوانين منها قانون الرعاية الاجتماعية، والتعليم، وقوات الشرطة، والمجالس العامة والجنازات والمحاكم. يجدر القول إن هذا القانون يزيد من سلطة الحكومة ويلغي بعض القوانين ليوازن بين اعداد الموظفين في المرافق العامة، إلا أنه لم يلق قبولا شعبيا واسعا لأنه يزيد من سلطة وقوة الحكومة الاستثنائية لمدة عامين وهي مدة طويلة نسبيا.

عكس الصين

ولكننا نرى أن بريطانيا دولة ديموقراطية، ومجتمعها مجتمع متفتح، والفرد يعتمد على نفسه بصوره كبيرة، فالمجتمع البريطاني لا يتقبل الاستجابة للأوامر بإغلاق كل شيء بصورة مفاجئة، وهذا عكس ما حدث في الصين؛ فطبيعة المجتمع تختلف فهو يطيع أوامر الحكومة من دون تردد. فيجب التعاطي مع المجتمعات الديموقراطية كالمجتمع البريطاني بصورة تدريجية.

وهذا ما فعلته دولة الكويت على سبيل المثال فقرار حظر التجول لمواجهة أزمة كورونا لم يطبق فجأة، بل جاء بعد عدة تنبيهات وتوجيهات للبقاء في المنزل. تحوّل كبير ويعد هذا التحول الكبير من سياسة مناعة القطيع إلى اصدار تشريع طارئ ضخم لمواجهة هذا الفيروس بسرعة قياسية نقطة إيجابية تحسب لبريطانيا، رغم تأخر اتخاذ هذا الإجراء، ويبقى السؤال: لماذا هذا الفيروس شل العالم بهذه القوة؟ ولماذا نرى اعظم الدول تتخبط في اتخاذ القرارات السياسية؟ الجواب لأن العالم ببساطة لم يستثمر في المنظومة الصحية بالشكل الكافي، والذي يجعلنا كبشر نحمي أنفسنا من هذه الأوبئة، فالعالم والدول العظمى تشغل طاقاتها العلمية الجبارة لتطوير الأسلحة التي تحميها من الاعتداءات من الدول، ولكن لا تحميها من الاعتداءات من الفيروسات.

ففي ظل الاحتباس الحراري الذي يخلق بيئة صالحة لظهور الفيروسات الجديدة، وازدياد أعداد البشر سنكون أمام سلسلة من الاعتداءات المماثلة شئنا أم أبينا، فقيام الحكومات بإغلاق مراكز الاستجابة للأوبئة، مثل قيام دونالد ترامب بإغلاق مكتب الاستجابة للأوبئة التابع لمجلس الأمن القومي عام 2018، ما هو إلا سوء تقدير لحجم الأضرار التي يمكن ان تحدثها هذا الأوبئة للبشرية، وعدم الاستثمار في هذا العلم الذي يؤدي إلى هذه النتائج الكارثية.

وأخيرا يجب ان تعي الحكومات خطورة هذه الأوبئة، خصوصا في عالم التواصل الاجتماعي الذي يسارع بنقل المعلومة قبل الجهات الرسمية والحكومات، والتي قد تكون خاطئة وغير دقيقة وتسبب الهلع بين الناس، وبالتالي شل حركة اقتصاد العالم.

وتبقى سياسة مناعة القطيع نتيجة طبيعية لأي وباء يمر على البشرية، ولكنه من غير المقبول استخدامها كحل سياسي مقترح من الحكومة للأوبئة. محاور القانون جاء قانون كورونا كتشريع طارئ في بريطانيا بسرعة قياسية وتتلخص محاوره الرئيسية في:

1 – احتواء الفيروس والحد من انتشاره.

2 – تعزيز قوة الخدمات الأساسية والتوزيع المرن للموظفين.

3 – تنظيم الوفيات واتباع الإجراءات التي تكفل للمتوفى كرامته.

4 – حماية المجتمع واتباع إجراءات الصحة العامة.

5 – تسهيل التشريعات والقرارات المنظمة في هذه الفترة الحرجة.

6 – الاستعانة بضباط الهجرة لدعم تنفيذ تدابير الصحة العامة الاحترازية، والتي قد تتضمن احتجاز الأشخاص ووضعهم في مرافق عزل مناسبة لحماية الصحة العامة.

7 – السماح لجلسات المحاكم بالانعقاد عن طريق الاتصال والفيديو لوقف انتشار الفيروس في المحاكم ومرافق القضاء.

8 – تمكين قوات الحدود من تعليق العمليات في المطارات مؤقتا للمحافظة على أمن الحدود من الفيروس.

الدكتورة بشاير الماجد أستاذة القانون في كلية الحقوق بجامعة الكويتالقبس

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا