حسين الحريتي : حققنا مع جواسيس ومخابرات عراقيين تحت رقابة المنظمات الدولية

دسمان نيوز – الانباء – لم تكن أشهر الاحتلال العراقي الغاشم مجرد فترة سوداء على الكويت، بل كانت بقسوتها وبشاعتها أكبر من أن توصف في مرارتها على كل من أحب هذه الأرض الطيبة، أمام طعنة الغدر والنكران في فجر الثاني من أغسطس عام 1990 من المقبور صدام حسين، الذي لم يجد لوشائج الأخوة والجيرة والنسب والدين والعروبة أي رادع عن مخططه الدنيء لاستهدف كيان وسيادة الكويت، محاولا محوها من خارطة العالم وضمها إلى العراق، فأطلق العنان لزبانيته وجنوده ليمارسوا كل فنون الوحشية على أرض الكويت الطاهرة، ويرتكبوا أبشع صور التعذيب والسرقات والتخريب بوطننا الغالي، لكن بفضل المولى عز وجل، ومع الالتفاف خلف قيادة حكيمة من أسرة آل الصباح، وبالتعاون مع الدول الشقيقة والصديقة، عادت الكويت حرة أبية عزيزة مستقلة. وفي شهر التحرير، شهر الأعياد الوطنية، حرصت «الأنباء» على الغوص في ملف تلك الفترة العصيبة، بمجموعة من اللقاءات الخاصة مع شخصيات كويتية كانت شاهدة عيان على محنة أهل الكويت سواء في الداخل أو الخارج، لنقدم صورة متكاملة عن كيفية تعامل الكويتيين مع تلك المحنة، وكيف تكاتف المواطنون خلف قيادتهم ليقدموا للعالم أجمع واحدة من أروع صور الولاء والانتماء، وليقوم كل منهم بدوره حتى علت كلمة الحق مدوية في وجه الطغاة، لتهب مختلف الشعوب إلى نصرة قضيتنا العادلة. شهادات حصرية من أصحابها نسترجع بها أصعب مرحلة مرت على تاريخ الكويت ولنأخذ منها العبر والعظات ولننتبه إلى أن تكاتفنا خلف قيادتنا السياسية سيظل سلاحنا القوي في وجه أي تحديات.

عندما تتذكر لحظات يغلب عليها الصدمة أحيانا والخوف من المجهول أحيانا أخرى يسيطر الألم على مشاعرك، لكن كانت نشوة الانتصار وفرحة العودة كفيلة بتغيير هذه الأحاسيس والمواقف الى الأفضل. هذا هو ما وصفه النائب السابق حسن الحريتي لذكريات الغزو والتحرير، حيث اعتبرها مناسبة يمتزج فيها الألم بالفرح، فصدمة الغزو مؤلمة لكن التحرير والعودة أمر مفرح جدا، إذ لم يحدث أن كادت دولة تمحى عن الخارطة بكل مكوناتها لكنها عادت أقوى مما كانت بفضل الله ثم بتضافر الجهود المحلية والعربية والدولية. الحريتي عاد بالذاكرة في لقاء خاص مع «الأنباء» إلى أيام التحرير والعودة، حيث كان على متن أول طائرة تعود للكويت بعد التحرير، فوصف المشهد الذي عمه السواد، وتحدث عن إعادة البناء وعودة الحياة الطبيعية رويدا رويدا، آملا أن تعود الكويت إلى سكة النهوض وأن تكون الحكومة ومجلس الأمة على قدر طموح الشعب. وفيما يلي تفاصيل اللقاء:

بداية، ما الذي تشكله لكم المناسبات الوطنية التي نحتفل بها في هذا الشهر؟

٭ لهذه المناسبات سواء ذكرى التحرير أو عيد الاستقلال أثر كبير في النفس، فعيد الاستقلال ذكرى عظيمة لتحول البلاد من إمارة إلى دولة وهو يوم للفرح والاحتفال، حيث وضع الأوائل الخطوات الأولى لهذا الوطن الذي جعلت منه مساهماته في جميع أنحاء العالم دولة ذات أهمية وتأثير سواء من حيث الموقع الإقليمي أو من حيث الوجود السياسي في دول مجلس التعاون الذي اقترح إنشاءه الأمير الراحل على إخوانه من أصحاب الجلالة والسمو، فجاء كمنظومة تشمل الدول العربية على الخليج العربي ذات المصير الواحد والمصالح المشتركة، والذي نتج عنه توقيع عدة اتفاقيات خاصة بالدفاع المشترك والتقدم الاقتصادي، وقد كان لهذا المجلس دور كبير في مختلف المشاكل والأزمات التي مرت بها المنطقة، أما ذكرى التحرير فلا يمكن لأحد ان ينسى ذلك اليوم أبدا، وهو مناسبة يمتزج فيها الفرح مع الألم بسبب الاعتداء على الكويت من دولة شقيقة وجارة بسب العهد البائد لصدام، حيث ولد الغزو معاناة كادت أن تمحى معها الكويت عن الخارطة لولا فضل الله وتضافر الجهود الدولية والعربية بإعادة الحق إلى أصحابه، هي مناسبة لاستذكار معاناة وضحايا الكويت من شهداء وأسرى وأبطال أفنوا أنفسهم وحياتهم لتعود الكويت سواء من كويتيين أم من الإخوة العرب الذين وقفوا الى جانب الكويت في محنتها.

أين كنتم خلال فترة الغزو؟ وكيف كان وقع الخبر عليكم؟

٭ خلال الغزو وتحديدا يوم الغزو كنت في تركيا في زيارة سياحية بدأت قبل يومين تحديدا من بدء الغزو، كنت قد غادرت الكويت مع العائلة في 31 يوليو ومنها إلى ألمانيا خطة للسياحة، لكن بعد سماع أخبار الغزو، وقد كان حدثا جللا، تغيرت جميع الأولويات والخطط وبدأت أبحث عن أقرب نقطة للكويت يمكن أن أصل إليها وطبعا لم أستطع الحصول على تذاكر سفر سوى إلى الأردن، حيث لم يكن هناك الكثير من شركات الطيران آنذاك سوى الكويتية والسعودية وطيران الخليج، وقد بقيت في عمان مدة أسبوعين ثم انتقلت إلى المملكة العربية السعودية وكنا نتواصل مع الأخ فريد القرشي وكان في منظمة العمل الإسلامي، حيث كلفنا للذهاب إلى مكة وقمنا بتشكيل لجنة للكويتيين منذ 21 أغسطس حتى أكتوبر إلى حين تشكيل الحكومة المؤقتة في الطائف وبدء توزيع الرواتب والمخصصات والسكن على المواطنين، حيث انتقلت إلى الطائف للعمل مع الحكومة، حيث كنت حينها وكــيل نيــــابة حــتى التحرير.

ماذا عن التحرير؟ وكيف تلقيتم الخبر؟ ومتى عدتم إلى الكويت؟

٭ لقد كنت في أول طائرة حطت على أرض مطار الكويت، حيث استدعيت من قبل وزير العدل آنذاك عبدالعزيز الدخيل لمرافقته مع سمو الأمير الوالد الشيخ سعد العبدالله الذي عين الحاكم العرفي للبلاد مع مجموعة من الزملاء، حيث انتقلنا من الطائف إلى الظهران ومر سموه على المصابين هناك ثم انتقلنا إلى الكويت في بداية مارس مع عدد من الإعلاميين وكان هناك أفراد من وزارة العدل أيضا وكان المطار وقتها تحت سيطرة الجيش لكن عندما دخلنا أجواء الكويت لم نكن نرى شيئا، كان السواد يخيم على كل شيء بسبب الدخان المتصاعد من آبار النفط التي أحرقها صدام، لكن العناية الإلهية ساعدت الطيار في الهبوط إذ ان قطرات المطر الخفيف المتساقط في تلك الأثناء ساهمت قليلا في الرؤية ما ساعد الطيار على الهبوط.

كيف كان الوضع مع الأسرة عند العودة هل كان هناك أحد من أفراد الأسرة في الكويت؟

٭ طبعا، والدي لم يغادر الكويت وعدد كبير من أفراد الأسرة أيضا، وبعد انتهاء مراسم العودة في المطار توجهت لأسرتي وطبعا كانت الأمور مختلفة جدا عما تركتهم قبل الغزو.

قلتم إن الرؤية كانت معدومة عند الوصول إلى الكويت فهل استمر الأمر الى وقت طويل وكيف تصف لنا المشهد؟

٭ أذكر في تلك الفترة لم نكن نعرف ليلنا من نهارنا ولم نكن ندرك إن كان الوقت صباحا أو مساء إلا من أصوات العصافير وكان الجو باردا فنعرف أن المساء قد حل من تغير حرارة الجو وقد استمر الوضع كذلك لأكثر من شهر.

كيف كانت رحلة إعادة البناء من مجال تخصصكم؟

٭ طبعا، بدأنا العمل بعد العودة، فتحنا النيابة العامة في مركز عماد في منطقة شرق وتم تزويدنا بالكهرباء عبر مولدات الديزل، فالشبكة الكهربائية كانت معطلة وبدأنا العمل بالإمكانات الموجودة، وكان هناك الكثير من المتعاونين والجواسيس لصالح النظام البائد، وكذلك كان هناك عدد كبير من أفراد المخابرات والجيش العراقيين ممن لم يتمكنوا من الهروب بعد اندحار صدام، الذي كان مفاجئا وغير مرتب وقد تم القبض على هؤلاء من قبل الجيش الكويتي والمقاومة وحجزهم في سجن الأحداث في الفردوس، وبعض المخافر الأخرى، وقد قامت الحكومة بتكليف النيابة العامة بالتحقيق مع هؤلاء بأسرع وقت وعدم ترك الأمر للجيش ورجال الشرطة أوالمقاومة تجنبا لردود أفعال ينتج عنها أعمال انتقام بحق هؤلاء.

وهل تمت محاكمة هؤلاء ام كيف كان التصرف معهم؟

٭ فعلا، فقد انتقلنا إلى مقر الأحداث في الفردوس وبدأنا العمل تحت رقابة المنظمات الدولية كمنظمة العفو الدولية ومنظمة حقوق الإنسان، أي كانت التحقيقات واضحة وتجري بكل شفافية ومهنية، وقمنا بتقديم البعض للمحاكمة وحفظت بعض القضايا وتم إخلاء جميع المخافر من المتهمين وعادت الدولة إلى العمل بشكل منتظم ثم عاد سمو الأمير الراحل الشيخ جابر الأحمد إلى البلاد وبدأت الحياة المدنية تعود لسابق عهدها رويدا رويدا.

ذكرتم أنكم شعرتم لوهلة بأن الكويت ستمحى عن الخارطة فكيف بدأت هذه النظرة تتغير؟

٭ في البداية، شكل خبر الغزو صدمة كبيرة جعلتنا نشعر بأن الكويت ستمحى، ولكن مع مرور الأيام وتتبع الأخبار بدأنا نشعر بنوع من الأمل وبعد أن سمحت المملكة العربية السعودية باستقبال قوات التحالف لتحرير الكويت، وبدأنا نرى الإجراءات والتعزيزات والإمكانيات لهذا التحالف، بدأت الطمأنينية تأخذ طريقها إلى قلوبنا، فنحن نرى أمامنا خطوات جادة لاستعادة البلاد، خصوصا بعد أن بدأت الحكومة المؤقتة تقف على أقدامها وأصدرت البطاقات للأسر الكويتية ووزعت لجان في كل دول العالم لتقوم مقامها وكأن الأسر داخل الكويت وبدأت بتوزيع الرواتب لكي يعيش المواطن حياة كريمة حتى يعود لبلده، وهنا أدركنا أن التحرير قادم لا محالة.

وعند بدء حرب التحرير ما الإجراءات التي قمتم بها كموظف في الحكومة المؤقتة؟

٭ عندما بدأت الحرب الجوية في 17 يناير تاريخ انطلاق الغارة الأولى، بدأنا نحسب الأيام لانتهاء الأمر الذي تحقق بفضل من الله ثم بالتعاون بين دول التحالف والمملكة والدول الخليجية والعربية الشقيقة، وهنا بدأنا بالاستعداد الفعلي للعودة، وقد تم تكليفنا من قبل الحكومة المؤقتة بمهام العودة المؤقتة وهكذا كنت في الطائرة الأولى التي عادت إلى البلاد.

كيف تلقيتم خبر انتهاء الحرب واندحار الغزاة؟

٭ في مساء يوم 26 فبراير تم الإعلان عن اندحار الجيش العراقي وبدأت الأمور تتطور بشكل متسارع وقد بدأنا نشعر بنشوة النصر وتملكنا شعور من الفرح لانتهاء الأمر على خير وعودة الحق إلى أهله.

كيف كان الوضع الميداني في الكويت بعد العودة؟

٭ كان هناك نقاط تفتيش في كل مكان ووجدنا دمارا كبيرا في المنشآت والمقار العسكرية وكذلك جزء من المطار، لا كهرباء، لا نستطيع رؤية النجوم ليلا، الدخان المتصاعد من الآبار استمر حتى حلول الصيف وبدأت آثاره تظهر على ملابسنا فاتحة اللون، ولكن ما يحسب للحكومة الكويتية آنذاك أنها عملت لإعادة الأمور إلى ما كانت عليه في أسرع وقت ممكن، وكذلك عدد من مؤسسات القطاع الخاص فمركز سلطان مثلا فتح أبوابه بالمواد والإمكانيات الموجودة لديه وكذلك الجمعيات التعاونية كما بدأ التجار آنذاك بمحاولة الإسراع لتأمين المواد من الدول المجاورة وهكذا كان.

كيف كانت التحضيرات لعودة سمو الأمير الراحل الشيخ جابر الأحمد؟

٭ عودة سمو الأمير الراحل الشيخ جابر الأحمد كانت بعد أسبوعين من عودتنا وكانت الأمور مكتملة بتوجيهات من الحاكم العرفي سمو الأمير الوالد الشيخ سعد الذي كان يقوم مقام رئيس الدولة.

ماذا تشكل لكم هذه المرحلة وما العبر التي تم اتخاذها منها؟

٭ ما حصل في الكويت يجب أن يكون عبرة للأجيال الماضية والحالية والمقبلة، فالأمر كان بمنزلة نقطة تحول، ولم يكن متوقعا من أي منا، وبالتالي يجب أن نعتبر أنه مهما كان الأمر، يجب أن نأخذ احتياطاتنا دوما، وهذا لا يعني عدم الثقة بالآخرين، وعلى العموم للمصائب إيجابيات تكمن في التعلم من الأخطاء.

عندما تنظر إلى تلك المرحلة من منظورك اليوم ما الشعور الذي ينتابك؟

٭ نرفع أيدينا بالشكر لله ولكل من ساهم برفع هذه المعاناة عن الكويت وأهلها وها نحن اليوم وقد مر 29 عاما على التحرير نشعر بنفس الشعور الذي خالجنا وقتها، ولن يستطيع أن يشعر به إلا من عايشه، فلم يحصل أن كادت دولة تمحى من العالم بكل مكوناتها ولكنها عادت أقوى من السابق بفضل جهود أبنائها ومساعدة الدول العربية والإسلامية واصطفاف العالم إلى جانبها.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا