علي دريوسي كاتب سوري جمعَ الهندسة والأدب في «المسننات تتعاشق»

دسمان نيوز – تزخر كتابات الأديب والكاتب السوري علي دريوسي بذاكرة بصرية ثرية، جراء عمله بروفيسوراً بجامعة أوفنبورغ الألمانية في مجال التصميم والهندسة التطبيقية لتمضي تجربته الأدبية جامعاً فيها بين روح التصاميم والإبداع السردي، وانعكس ذلك في أعماله التي بدأها بمجموعته “اعتقال الفصول الأربعة”، لتتوالى بعد ذلك مجموعاته القصصية :”من الرفش إلى العرش”، “حجر الجلخ” و”المسنَّنات تتعاشق” والأخيرة قيد الإصدار. وفي حواره لـ “الجريدة” يتحدث دريوسي عن مسيرته الأدبية وأعماله واحدث إصداراته ويؤكد “أن الكتابة الإبداعية أعادت له التوازن الداخلي، الذي أخذت تفترسه مهنة الهندسة المنطقية والأرقام الصلدة وفيما يلي نص الحوار:

• ما المحددات والمؤثرات الأولى في اتجاهك للأدب؟

– لم يخطر في ذهني يوماً أن أصير كاتباً، وحين غادرت عام 1998 قريتي “بسنادا” بمحافظة اللاذقية الواقعة على ساحل البحر الأبيض المتوسط، لم يكن قد تجاوز عدد الشعراء والنُقَّاد وكتّاب القصة في القرية – التي وصل عدد سكانها آنذاك إلى 15 ألف نسمة، خمسة أشخاص مهتمين، رغم غنى القرية بالأيديولوجيات والآراء والانتماءات الحزبية والسياسية والإنسانية وتنوّعها، ورغم صباها وعراقتها بالعلم والمعرفة.

وفي تلك القرية وُلِدت لأسرةٍ فقيرة وفيها نشأت مع إخوتي العشرة واقتصرت اهتماماتي في الطفولة والمراهقة على ممارسة رياضة الكاراتيه وقراءة الألغاز البوليسية للمغامرين الخمسة وكذلك للشياطين الثلاثة عشر تحت إشراف الزعيم صفر وكان هدفي أن أدرس الطب كي أختص لاحقاً في طب العيون، لكني درست الهندسة الميكانيكية وأحببت اختصاصي هذا وتفوقت فيه، وذات مرة كنت مدعواً لإلقاء محاضرة في مؤتمر علمي في مدينة برلين وهناك، أمام مبنى دار النشر للنورم الألماني، شاهدت منحوتة لقاء الثقافتين، التكامل بين الثَّقافة العلميّة-التقنية والثَّقافة الأدبيّة-الإنسانية يومها فكرت ملياً: ما الذي يمنعني من الدخول إلى بوابة الأدب!؟ طالما أن المهندس شاعر العقل والشاعر مهندس الروح وبعد تلك الزيارة دأبت أعمل على نفسي بغية المصالحة بين شطري دماغي المتنافرين: نصف المخ الأيسر الممثل للتفكير الهندسي ونصف المخ الأيمن الممثل للتفكير الأدبي، فكانت البداية أن ألقيت محاضرة تحت عنوان: “استغلال الطاقة الكامنة للنثر والشعر مُحفِّزاً إبداعياً للمهندسين خلال بحثهم عن الحلول التقنية للمشاكل التصميمية”.

• كيف جاءت الخطوة الأدبية الأولى؟

– قطعت الخطوة الأولى بفزع وحذر، حدث هذا في بداية عام 2015، طفقت أكتب في وقت فراغي وفي عطلات نهاية الأسبوع، وكلما استحوذتني الكتابة أكثر كلما شعرت بصفاء داخلي أوسع من ذي قبل، بات إبداعي الأدبي عاملاً مهماً لاستعادة توازني الداخلي الذي أخذت تفترسه مهنة الهندسة المنطقية الرصينة فبدأت في كتابة القصص القصيرة دون أن أهدف إلى نشر كتاب ورقيّ يحويها بين طياته، ودون أن يكون في حوزتي أدنى معلومات عن دور النشر وأسرارها لكن ردود الفعل الإيجابية على ما كتبت جعلتني أصبو إلى نشر كتاب عليه اسمي الثلاثي، وصدرت مجموعتي القصصية الأولى تحت عنوان “اعتقال الفصول الأربعة” عن دار “أرواد” للنشر عام 2017، والتي تضمّنت حوالي أربعين قصة شبه واقعية، تدور محاورها حول مواضيع الحب والحياة والناس والفقر والحلم والسياسة في سورية، في السبعينيات والثمانينيات من القرن العشرين، قصص مناسبة لتصير أفلاماً قصيرة وبهذا الكتاب الممتع، باكورة أعمالي، دخلت عالم الأدب وصالحت بين الخصمين غير المنسجمين، نصف مخي الأيسر والأيمن.

• تهيمن المصطلحات الهندسية على عناوين أعمالك، كيف تختارها وهل تنطوي على معنى هندسي ما؟

– العنوان هو عتبة الدخول إلى كُنه الكتاب، هو بمنزلة الجهاز الفاصل الواصل الميكانيكي الموجود بين المحرك وعلبة التروس، هو الحبل السري بين القارئ والكتاب، لكنه ورغم أهميته الرمزية ودلالاته التعبيرية ليس بمقدوره أن يختزل النص السردي لكتاب ما، وأعتقد أن اختيار عنوان لرواية ما أسهل بكثير من اختيار عنوان لمجموعة قصصية تتضمَّن عدة قصص ولكل منها عنوان.

الفوضى الشبابية

• حدثنا عن مجموعتك الأحدث “والمسنًّنات تتعاشق”؟

– تحتوي مجموعتي القصصية القادمة “والمسنَّنات تتعاشق” على أكثر من 40 ألف كلمة نتاج 14 قصة: الخَنَّاق، المِلزَمة، السَّغَب، فوضى لا محتملة، رغبة مكبوتة، مفتاح الخيانة، الحَاصُود، السبَّاك السعيد… تتباين مواضيع هذه القصص وتتنوع، تدور محاورها حول تأثير الخمَّارات على تآكل المجتمع، الفساد في الجامعات، الجوع في الأسر الفقيرة، الفوضى الشبابية، القمع، رغبات السفر الدفينة، الخيانة السياسية في الأحزاب السرية، الفساد، العُنجُهِيَّة وضرورة التواضع، حياة الناس البسطاء، الحالات البيولوجية عند الإنسان، إضاءات قصصية على الحياة في ألمانيا، بالإضافة إلى مواضيع حول الذكريات والحنين، ومجموعتي القصصية كتبتها بواقعية وبأسلوب بسيط وجذَّاب، مليء بالأحداث غير المنتظرة، كما أظن، فشخصياتها حقيقية جداً، ستبقى بعد انتهاء القراءة عالقةً في الأذهان، حتى أن القارئ سيلمحها تسترق النظر إليه بين صفحات الكتاب، كما أرجو وكل قصة عبارة عن مسنّن (ترس)، لها بروزاتها، أسنانها، التي تتعاشق مع أسنان القصة الأخرى، المسنّن الآخر، مما يسمح للقارئ بالانتقال التام والسلس بين قصة وأخرى بدون انزلاق ولا ضوضاء وكل قصة من قصص هذا الكتاب هي كلٌّ قائم بذاته مفعم بما يدعو للتأمل والدهشة، ولها حبكتها الخاصة وبعضها يصوِّر مأساة الإنسان الموجعة، بعضها ينبض بالتألق والحكمة، كما يتسم بعضها الآخر بالطرافة والنكتة.

• تتجلى المأساة السورية فى مجموعتك القصصية “من الرفش إلى العرش” هل حققت نصوصك التعبير عنها أم أنك بحاجة إلى كتابة رواية عنها؟

– أعتقد بأنني قلت وكتبت عن انتهازية الهاربين ما انبغى قوله وتوثيقه في كتابي هذا، لقد ردمت هذه الحفرة غير النظيفة وكنت راضياً عن النتيجة، نعم هناك شريحة كبيرة من المهمشين والفاسدين والأميين الذين استغلوا الأزمات في أوطانهم واستطاعوا بين ليلة وضحاها الانتقال بحياتهم من العمل بالرفش إلى الجلوس على العرش، والفضل يعود في ذلك إلى عطايا الدول الرأسمالية الغربية وعلى رأسها ألمانيا، جنة الهاربين الفاشلين. وهكذا فالموضوع لا يستحق رواية ولا من يحزنون، على الأقل من جهتي أنا.

• ما مدى مواكبة الحركة النقدية لأعمالك؟

– للأسف تكاد تكون غير ملحوظة، ولهذا أسبابه المتنوعة، بعضها يتعلق بالتمويل المالي وبالتكتلات والمنصات والتمركزات والاصطفافات السياسية والعقائدية للنقّاد والكتّاب ودور النشر، وبعضها يتعلق بشخصية الكاتب وجغرافيته وجنسه وعمره الأدبي وعلاقاته الاجتماعية، فالحكاية معقدة، والحديث يطول، هناك أشياء لايمكن كتابتها.

• ماذا عن أحدث مشروعاتك الأدبية؟

– هناك الكثير من الأشياء التي يجب إنجازها في وقت واحد، على الصعيد الشخصي والعائلي والهواياتي والمهني. أعمل حالياً على عدة مشاريع في الوقت نفسه، أترجم مجموعتي القصصية “حجر الجلخ” إلى اللغة الألمانية، أكتب مجموعة قصصية جديدة وأشتغل على روايتي الأولى والتي تدور أحداثها بين ألمانيا وبريطانيا.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا