صرخة «أُم».. صامدة! بقلم : يوسف عبدالرحمن

دسمان نيوز – الانباء – وصلتني رسالة من قارئة تحتاج إلى «فزعة» بعد أن قرأت «المقرودة»، تقول: سيدي الكاتب، قرأت مقال المقرودة وأخذت في التفكير ماذا أكون أنا وجلست في ركن مظلم، أسترجع ذكريات وسنوات حياتي ربما أجد مسمى يليق بما عانيت، استرجعت طفولتي بين أم وأب في سن الطفولة أكبر مني بأعوام قليلة، ليس لديهما حتى وعي يفوق وعيي الطفولي، وفي مرحلة الشباب كانا يتعلمان معي كأننا في المرحلة نفسها، وأحيانا يتعلمان مني، خاصة أنني بدأت مشوار التمرد على كثير من أمور الشباب ووضعت نفسي في قالب الكبار العقلاء، ربما ظاهريا، ولكن بداخلي طفلة وشابة، تمردت مرة أخرى حينما تزوجت في سن صغيرة كي أصنع حياة بمفردي أشكلها وأرسم ملامحها بمفردي، وكانت أولى سنواتي صعبة، أتظاهر بأنني أتحمل المسؤولية وبداخلي يرتعش خوفا من الفشل، حاربت كي أنجح، خاصة وقد منحني الله طفلين كانا دافعا لي كي أتمرد على كل الصعاب، وتمردت أيضا عندما قررت أن أسافر من بلدي الأول مصر الى زوجي الذي ذهب ليكد ويعمل، نعم التمرد هنا ولأول مرة كان إيجابيا لم الوحدة وبرغم كل من نصحني مش هتعرفوا تعملوا فلوس، نعم، ولكن يكفي أن نكون معاً ونحيا مستورين، وفعلا سنوات يعمل زوجي لنعيش ونربي الأولاد الثلاثة بعد أن رزقني الله في الكويت وبشمس حياتي، ولا أدري أقول ابنتي، أم أمي، أم صديقتي، أم ملاكي هي هكذا حقا ابنة 100 في واحد، كما أحتاجها تكون، ووسط تمرد على طبع الزوجات من نكد وزعل لبقاء الزوج طوال الوقت بالعمل، وإصراري على ألا أكون تقليدية جعلت بفضل الله حياتنا من أنجح وأسعد ما نستطيع ومرت سنوات تمرد كثيرة على الشوق والحنين للأهل، فكيف نستطيع السفر كل عام ونوفر مستلزمات العيش هنا، لا داعي للسفر الذي أصبح كل 5 سنوات ونكون مبسوطين لأنها بكده «ويادوب ماشية»، إلى أن جاء قضاء الله وتوفي زوجي فجأة، توقفت الحياة لبعض الوقت ولكنها إرادة الله وقتها ومساعدة الله ثم وقوف الجميع معي استجمعت كل ما أملك ولا أملك من طاقة للتمرد على السقوط، فالسقوط هذه المرة ليس لي ولكن لـ 3 أولاد، لأ مش هفشل، حاربت وهي كلمة ليست مجازا، لأن الأعداء كانوا كثيرين، الوحدة والفشل والضعف وعبء المسؤولية، ونجحت وأدخلت الأولاد الجامعة والبنوتة المدرسة، يا الله أوشكت على الانتهاء من الركض والتمرد وأصبح الابن الأكبر يحمل شهادة ها هو أتى ليحمل معي الحمل، لكن وأنا أبعد جزءاً من كتفي ليحمل معي سقطت فجأة يا الله، إنه المرض، وليس بأي مرض هذا الذي يخافه الجميع، أبعده الله عن الجميع، كنت أرقد على الفراش بعد العملية أتساءل: هل أستسلم؟ لا، حتى في جلسات الكيماوي كنت أحفز نفسي وأقول إن الله لن يخذلني، فأنا أتمرد على المرض وليس على إرادة الله، وبعون الله شفيت، سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم لم تفارق لساني في أزمتي هذه، ورجعت للحياة أكثر صلابة وإيمانا، ودخلت شمس حياتي الجامعة، وأنا استنفدت طاقة التمرد التي هي من سمات السن الصغيرة، فقد أشرفت على الخمسين عاما، لم ألعب.. أتنزه.. أغير جو.. حتى غندرة السيدات كانت خارج المسموح، طمأنت نفسي كل الأولاد أصبحوا على مشارف الاعتماد على أنفسهم، يااااه.. حلم أن نجتمع ثانية وأحضنهم وليس بينهم غائب، وقبل أن يكتمل الحلم، تأتي الحياة هذه وهي متمردة على أن تمنحني الحق في الراحة حتى ولو لقليل وتضعني الظروف في مأزق يفوق حدود تمردي، عليك بالمغادرة.. اتركي سنواتك.. زوجك المدفون هنا.. أولادك.. الأصدقاء الذين أخذوا مرتبة الأهل.. كل شيء وعودي بمفردك لمجرد انك وقعتِ تحت بند قانون لم تخالفيه حتى.. يا الله.. من حق كل مكان يطبق قوانينه.. ولكن طالما سبب إبعادي شيء لا يضر أحدا إطلاقا حتى نفسي وكأن الأجسام المضادة التي أملكها شفرة النهاية، كيف أطلب من الجميع التخلي عن مستقبلهم والعودة معي، كيف أعود ولمن وأنا في 25 عاما سافرت 4 أو 5 مرات لا تزيد المرة على 20 يوما، كلها تساؤلات واهية بجانب إحساسي هذه المرة بأن كل طاقتي قد نفدت، نعم سأستسلم فلقب متمردة الذي استعملته في القضاء على السلبيات ما عاد يعنيني.. أقسم لكم، مدى الإنهاك النفسي والبدني لا يعلمه سوى الله.

وسؤالي: هل أنا الآن متمردة.. أم مشردة؟

٭ ومضة: نسيت أن أقول لكم إن غياب الروح قبل غياب الجسد أمر صعب للغاية، كفاكم الله كل إحساس وحش!

٭ آخر الكلام: الزاوية بتاعة «المقرودة» هي التي قلَّبت عليا المواجع، شفت حضرتك وكتاباتك بتصل للناس قد إيه؟

٭ زبدة الحچي: إليكِ أيتها الأم الصامدة المضحية.. أنتِ لستِ متمردة، بل أمٌ عظيمة تستصرخ ضمير أصحاب القرار لتلبية طلبها الوحيد وهو البقاء في الكويت التي قدمت إليها في زهرة شبابها وهي مهددة بأن تغادرها الآن مثقلة بالهموم والديون وقلة الصحة.. فمن يصغي ويستجيب في زمن تذهب فيه مثل هذه (الأصوات المكلومة) أدراج الرياح؟

وأستسمح قارئي الكريم بأنني أضعف أمام نداء المظلوم وأنتصر له متحملا نتائج ما أكتب!

يا الله.. كن معها ولا تكن بقضائك وقدرتك وأنت القائل (ادعوني أستجب لكم).. عجزت المسكينة عن الدعاء فهل من منتصر؟!.. أصيبت بالمرض الشين، عايشة دون معدة، منزوية في بيتها، خلوها بما أفاض الله علينا في بلد الإنسانية والرحمة!

ادعوا لها على الأقل ربّ يفرج همها.. في أمان الله.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا