كمال الرياحي صدرت له رواية «البيريتا يكسب دائماً» وتضمنت اشتغالاته السردية

0
99

دسمان نيوز – الرواية فضاء مفتوح بوجه جميع الخطابات، وبما أن هذا الفن يتجدد باستمرار مواكباً كل المعطيات الواقعية والإنسانية، ويتميز بأجواء كرنفالية في تشكيلته؛ فإن النص الروائي يراوغ المواضعات المسبقة على مستوى اللغة والآلية في تناول الظواهر السائدة في المجتمع، وكما لا يتوقف الروائي عند ما هو موجود، ويطمح إلى تخيل شكل المستقبل يشتغل الروائي التونسي كمال الرياحي على لعبة المباغتة في أعماله السردية، ضارباً باللغة التقليدية عرض الحائط، وتمكن من نحت معجمه الخاص من خلال ما قدمه. وآخر ما صدر له عمل روائي بعنوان «البيريتا يكسب دائماً»… وحول اشتغالاته السردية ومحتوى روايته الجديدة كان لنا حوار مع مؤلف «عشيقات النذل»، فماذا قال؟

• عالم البيريتا مثخن بالتوحش والتدمير، فهل تعتقد أن ما يلهم بكتابة النصوص الإبداعية هو الشر كما قال ذلك توماس مان؟

– الشر كامن في ثلاثة أرباع كلمة بشر، ولا أعتقد أن ذلك مصادفة، حتى لو كانت مصادفة، وتاريخ البشر هو تاريخ الشر وتاريخ التوحش منذ الخطيئة الأولى عبر تاريخ الأديان إلى اليوم، مرورا بمقتل هابيل بيد أخيه الحميم. كل هذا يجعلنا نعيش الشر كواقع مستمر في صيرورة وليس كواقعة توقفت أو ظاهرة تتمدد في زمن محدود. نحن في هذا العالم نواصل إبداع فنون الشر، والفنون والآداب لا يمكن لها إلا أن تقول هذا الكائن الذي ابتلي به الكون، والمبدع فنانا كان أو أديبا هو أيضا بشر ويحمل كل هذه الملامح، وسبق أن قال جورج باتاي: الأدب ليس بريئا، ويجب أن يعترف وأن يحاكم أيضا.

الشعر الأبيض

• يتقاطع مناخ البيريتا مع طقوس التيار السريالي، بدءاً من العنوان الذي يذكرك بمذكرات «أندريه بريتون»، وصولاً إلى لغز الجثة المدفونة التي تلعب دور محرك أساسي لأجزاء النص، لماذا هذا التوغل في اللامعقول والسوداوية والجنس الصريح؟

– المسدس ذو الشعر الأبيض لأندريه بريتون مجموعة شعرية، والشعر يتحمل كل الاستعارات الممكنة والمستحيلة، ولا أخفي أنني مطلع على تيارات أدبية مختلفة تتقاطع في عالم السريالية والكافكاوية واللامعقول الذي يسبق كل تلك التيارات الفنية والأدبية، والنص الأدبي يخلق نفسه من عوالمه الخاصة، وميولي إلى كتابة هذه الأجواء هي استناد إلى واقعنا اليوم، هل هو واقع أقل سريالية من أفكار هؤلاء الفنانين والأدباء، ونحن في قلب الديستوبيا؟ فماذا تنتظر مني أن أكتب؟ صحيح أننا لا نحاكي الواقع، لكن الكاتب أيضا ابن بيئته وابن مخيال يتشكل أساسا من أسئلة راهنة، لذلك أرى أن العنف هو المشترك الآن في العالم، وخيرت مقاربته في أعمالي الروائية والسردية عامة، وعنف متعدد بأشكال متعددة ووجوه متعددة يطيح بكل شيء، بالحميمي قبل الآخر البعيد، نحن في لحظة تدمير الذات يوميا، وأكل النفس، بعد أن أجهزنا على أطرافنا، وأنيابنا لو تراها في أحشائنا تمزقها وتبحث عن تلك الروح المتبقية، فنحن كائنات متوحشة الآن لم يبق لها من فرائس تنهشها غير ذاتها.

العملية الإبداعية

• عناوين نصوصك الروائية ويومياتك الصادرة من منشورات المتوسط تصدم المتلقي بما تحمله من العنف، هل تريد بذلك إعلان الثورة على الذائقة التقليدية؟

– الكتابة إن لم تكن ثورة فلا معنى لها، والعناوين جزء من العملية الإبداعية نفسها، وإذا انخرطت في المكرر ولم تعد نصوصك تدهش بما في ذلك عناوينها فلا سبب يدعوك لكي تنتج ذلك المنتوج أصلا، فالمبدع عليه أن يجترح المعاني والنصوص والعلامات لا أن يكررها، وبهذا المعنى أتحدث عن الإبداع باعتباره ثورة، فالنص عليه أن يترك أثرا، أن يربك مهما كانت بساطته، وعنف الخطاب في العناوين جزء من عالم متكامل، فضاؤه الهامش وغير المرئي أو اللامفكر فيه، وأبطاله كذلك أبناء الهامش وكل ذلك يتشكل في نغمية مدروسة فنيا، وإذا ظهر غير ذلك من مفارقة فهي أيضا مدروسة لتعلن عن تلك المفارقة عبر باردويا ما.

المعرفة والموقف

• يعتمد نص البيريتا على المستوى البنائي على الحوار والمشهدية والمدونة والسرد الهذياني، هذا إضافة إلى انفتاحه على البيئة الافتراضية، هل أردت بذلك إضفاء مزيد من التشويق إلى خطاب الرواية؟

– الرواية بالنسبة إلي إن تنازلت عن التشويق فقد تنازلت عن أهم انتظاراتها، فنحن نكتب الروايات بالأساس لكي تكون موضوع متعة، ثم تأتي المعرفة والموقف من العالم، وكل العلل اللاحقة لا يمكن أن تتحقق إلا عبر الوظيفة الأولى، وهي الامتاع الذي بدوره رهين التشويق عادة.

أما تلك الأمور التي ذكرتها فهي خيارات فنية تطلبتها الرواية لتشييد خطابها، ومسألة الحوار مسألة مفصلية لأننا إلى الآن مازلنا نتعامل معه، لا بصفته شكلا من أشكال البناء السردي، بل باعتباره ترفا وزائدا عن الحاجة، ولذلك لا يتعامل معه حتى النقاد بجدية كبيرة ولا حتى القراء في العموم، فالقراء يحفظون العبارات الشعرية والبلاغية، والنقاد يحتفون بالسرد والوصف وغيره، أما حرفية الحوار وقدرة الكاتب على التماهي مع مخلوقاته لحظة كلامها فهذا نادرا ما توقف عنده النقاد، بل يكون أحيانا جناية على النص، لأنهم ينسبونه إلى الكاتب ويحاسبونه على عنفه أو معجمه النابي مثلا، وهذا جهل كبير بالرواية باعتبارها حقل الأسلبة والرطنات ومعاجم الطبقات حسب الشخصيات، وقدرة الكاتب في استدعاء تلك الرطنات والمعاجم وتوظيفها التوظيف الصحيح والحوار واحدة من المساحات التي تهبها الرواية لإظهار تلك القدرة، وقد بدأت روايتي «البيريتا يكسب دائما» بفصل حواري أشبه بسيناريو صحيح، وفي ذلك مجازفة كبيرة لعلمي بوضعية التلقي العربي اليوم، لكن المبدع إذا لم يكن مغامرا فعليه أن ينسحب، وغامرت وأواصل المغامرة والكتابة المشهدية نتيجة وعيي ورداستي للسينما واهتمامي بها، ومشهديتي ليست مشهدية واقعية، بل مشهدية أخرى يتعانق فيها السريالي كما قلت والشعري والفلسفي والنفسي لتشكل مشهدية أخرى تساهم في نحت الصورة، التي اخترتها لمقاربة العالم ديستوبيا تونس المعاصرة.

ما نراه كوابيس

• راهن السرياليون على الأحلام وانعكست أجواء الحلم في نصوصهم، كما يؤمن نيتشه بضرورة تدوين الأفكار التي نصادفها في الحلم، قبل أن تحلق بعيداً، ماذا عنك؟ أين أحلامك من نصوصك الإبداعية؟

– أنا أكثر الكتاب كتابة لكوابيسهم، فالأحلام لا أكتبها لأني لم أحلم وأنا نائم، ما نراه كوابيس، ومن هنا جاء تفطنك إلى السريالية والكابوسية في كتابتي، ويمكنك أن تعثر على ذلك في «المشرط» عبر شخصية المخاخ آكل أمخاخ الأجيال، ويمكنك أن تجدها في «الغوريلا» عند الراوي الذي يرى نفسه يقتل في الجبال.

التعرف والاكتشاف

• يقول كولن ولسن إن الرواية لا تقتصر فوائدها على المتلقي، بل تساعد الكاتب على هضم تجربته الذاتية، هل ينطبق هذا الرأي على تجارب جميع الروائيين؟

– عبر الرواية يحاول الكاتب أن يكتشف نفسه ويتعرف عليها، فنحن نموت دون أن نتعرف على ذواتنا، كما يقول كونديرا، لكن التعرف والاكتشاف ليس دائماً أمراً سعيداً، فالكثير ممن انتحروا من همنغواي وفرجينيا وولف وميشيما وديفيد فوستر والاس وجون كيندي تول لا ندري هل نتيجة عدم عثورهم على ذواتهم فعلا أم نتيجة اكتشافهم لذواتهم؟

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا