مجموعة قصصية صادرة عن «الدار العربية للعلوم ناشرون»

دسمان نيوز – من أعماق الذاكرة، ومما اختزن في نفسها من مشاعر متشابكة ومواقف متداخلة، وصور، أطلتْ الكاتبة فاطمة عبدالله بن رافعة بصراحة وجرأة، من خلال مجموعتها القصصية «أمسية باردة». وخاضت المؤلفة غمار القصة القصيرة في عناوين عدة، كان لها صدى في دراسات الأُدباء وتعليقاتهم. ومنذ أن صدرت لها رواية «خطوات نحو الشمس»، و«الثوب والحديقة»، و«بيت جدي» تنبري الأصداء الأدبية بالثناء على أعمال حُبكتْ ببراعة. في «أُمسية باردة» تتنقل الكاتبة فيما اختزنت من موضوعات عايشتها ونسختها على الأوراق، واختارت منها تلك التي وسمت حياتها بأحلى اللحظات وأمرها.

تستهل المؤلفة فاطمة عبدالله بن رافعة كتابها “أمسية باردة”، بقصة عنوانها “حوار من نوعٍ آخر”، فبعد خمس وعشرين سنة بقي إلى جانبها، وهي تلازمه كظله، وتصغي إلى أنفاسه، وتغار عليه، وكان طوال ذلك الوقت مجاملا، فينجز ما كُلف به على أكمل وجه، وتمنت عليه ألا يرحل، ورجتْه أن يلتفت إلى رقة مشاعرها، فأبى قائلًا إن حياته كانت إقامة عمل إجبارية، وإن المدة قدِ انتهت فوجب عليه الرحيل، واتهمته بالقساوة وبكت، تطلعت بوله إليه فراح يكمل: آن لكِ أن تتركي أنتِ المكان أيضاً، فلا شيء يغريه بالبقاء لا عقل ولا جسد!

في هذه القصة يؤدي الحوار دورا متقناً بين الضحية والجلاد اللذين يتبادلان الأدوار، فتحتار من هو المخطئ بينهما.

دوائر التعب

ويستمر السرد: ضغطت على عنقه بكل قوتها حتى جحظت عيناه خوفا لما رآها. وعلى الرغم من السنوات الكثيرة التي مرت، لم يتغير، فهو كما هو… كأن الزمن لم يغيره. وكان همها كله خنقه بأصابعها التي مرنتها لهذه المهمة. هذا الكلب الذي عرقل مسيرة حياتها التي تنمو بصفاء، سوف يقتله غضبها، سيموت “غالب” ببطء، فربما تنطفئ دوائر التعب التي وسمت حياتها.

ومضت أيام ثلاثة على حلمها البغيض، وهي غير قادرة على التنفُس، وعادت صور الماضي إلى مخيلتها: أُمها وأبوها وإخوتها وهم يبتعدون! لم يبق منهم أحد، ولم يسمعها أحد، وغالب هو الرجل الوحيد الذي سرق طفولتها، وأطفأ زهرة شبابها، ولم تستطع يوما أن تنساه، وأقبل اليوم الرابع والخامس وأسابيع وأشهر، ولم تتكلم. وكم من مرة تكرر الحلم، فتنام وتصحو على الصور نفسها، وما زالت حتى اليوم تنام مفتوحة العينين، حتى لا يأتي “غالب” آخر يغتال غفلتها.

نظرة بيضاء

وتتابع: أطلت الأم تبتسم، وهي نادرا ما تبتسم، وأغلقت باب الغرفة وراءها وهي تسأل ابنتها: احزري من زارنا؟

إنه العم عساف جاء يطلب يدها لابنه شاهر، وأخيرا شاهر الذي أحبته عندما كانت صغيرة، وحلمت به جميع الإناث، واليوم بعدما تزوج أجنبية أنجبت له أطفالا، وبعدما تزوجت البنات، وتزوجت أنا، وشاء الله أن أفقد زوجي في حادث مروع نجوت منه بأعجوبة، بعد كل تلك السنوات التي مضت جاء يطلبني شاهر!

ولم تتردد، فكل ما في الأمر أنها تفكر بمصيرها، فقد تجاوزت الثلاثين، وإذا بالأم تستعجل الجواب قائلة: لن نظلمك معه، له خمسة أولاد، ولست مجبرة على دفن شبابك معهم! لكن تركيزها كان على نفسها، علما بأن أُمنيتها كانت العيش معه، وبسرعة تتالت صور حياتها أمام عينيها، بينما الأم تنتظر، وكان لا بد أن تريحها، فمشت إليها وهي تبتسم. قبلت يديها بحب وقالت لها، لست موافقة، لا أُريد.

عنوان لنفسها

وضعت المؤلفة عنوان هذه القصة نفسها لكتابها، لأنها شعرت أنه يمثل تماماً معاناتها: رحل الزوج بدون وداع، بدون وعد بالعودة، بدون رجاء، فوجدت نفسها وحيدة في غرفتها التي يلفها الصقيع في أجواء الصيف الحارة.

لم يعرف قلبها الدفء ولا الجليد، كان فقط بلا دماء. لقد رحل ولم تعد تفيدها الكتابة، ولا صوت الجوع في معدتها يهمها، ولا القهوة تسليها. لم تعد لديها رغبة في شيء، سوى إخماد الصراع الذي يضج في رأسها.

صوت الأذان يدخل من نافذة غرفة الجلوس التي أدمنت الجلوس فيها منذ أن رحل، وارتاحت قليلا من غم استبد بها، ودخل بعض الرجاء إلى قلبها، وشرعت تتذكر كيف كان يهرول إلى المسجد بوضوئه ومائه مثل غريق، وهم في الركعة الأُولى، وكيف يعود مباشرة بعد التسليمتين.

وعزفت عن الكلام مع أي كان، وسافرت مع نتف الذكريات الحميمية التي تركها وراءه، لكنها لا تبكي لقد انتهى أمرها لديه.

وتشاغلت عن التفكير به واتصلت بشقيقاتها، فإذا بهن مشغولات بشؤون أُخرى، وتناولت كتاباً، أحداثه قريبة من نفسها وقلبها، لكنها أبعدته، فمن يشتري النكد بيديه؟ حجرة نومها ما زالت باردة وقلبها صقيع، لم تستطع النوم في سرير كان لشخصين… لكنها قررتِ اليوم أن يكون سريرها لشخص واحد، وعقل واحد ويدين فقط، فلِم الضحك على العقل؟ منذ البداية كان سريرها لشخص واحد!

وتتابع الكاتبة سردها المغلف بالحنين والأسى، وفي كل قصة عبرة نستوحيها من الأحداث والوقائع التي عايشتها، ودونتها بمداد الشوق واللهفة والعذاب.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا