الشاعر والناقد العراقي عبدالرزّاق الربيعي: أترك لقلمي حرية الاسترسال وحين تستقر الفكرة أبدأ الكتابة

دسمان نيوز – مثلما يتنقل بين البلدان العربية، فإن الشاعر والناقد العراقي عبدالرزّاق الربيعي، الذي استقر به الحال في سلطنة عُمان وحمل جنسيتها قبل سنوات، يرتحل بقلمه بين صنوف الشعر، لكنه يعتبر أن قصيدة النثر هي الفضاء الأكثر رحابة بالنسبة إليه. «نهارات بلا تجاعيد» أحدث مجموعة صدرت أخيراً بتوقيعه، والحوار الذي أجرته معه «الجريدة» يلقي الضوء على تجربة مبدع غاص بحبر إبداعه في بحور الشعر والمسرح والنقد، وفي السطور التالية يكشف ملامح تجربته الغنية، ويتحدث عن أثر كل بلد عربي عاش فيه، وسر إطلاق عدة دواوين له من منصة «الموت»… وفيما يلي نص الحوار:

• تكتب كل أشكال الشعر، العمودي والتفعيلة والنثر، ما الشكل الذي يحقق لك الانطلاق والتحليق في فضاءات أكثر رحابة؟

– إذا كانت القصيدة العمودية سيراً على سكة حديدية، والتفعيلة جرياً حراً في ساحة عامة، فإن قصيدة النثر تعد تحليقاً بجناحين في فضاء مفتوح، قد لا يعرف الطائر في لحظة الانطلاق أين سيصل؟ لكنه سيستمتع برحلته، وسيهبط في منطقة جديدة لم يسبق لأحد الوصول إليها.

من هذا المثال، يمكنني القول إنّ الفضاء الأكثر رحابة بالنسبة إليّ هو فضاء قصيدة النثر، ففيه تكمن لذّة الاكتشاف، ومتعة السباحة في فضاء المطلق.

• متى تتعامل مع نصك الشعري بعين الناقد، ماذا تفعل حين يكون ذلك النص تحت مشرطك التشريحي؟!

– أفتح هذه العين، عين الناقد، بعد الانتهاء من كتابة النص، ووضعه جانباً ليجفّ دم حبله السريّ المتّصل بروحي، وخلال ذلك يمكنني نسيان عوالقه الموّارة داخل النفس، وبعد حين، عندما أعود إليه أقرأه بعين أخرى، مختلفة، هي عين القارئ والناقد الفاحص الباحث عن المثالب، ونقاط الضعف لتقويتها، ونقاط القوّة لتعزيزها، هنا يدخل جانب الخبرة، والصنعة، والذائقة، ويمارس دوره في التعديل، والتشذيب، وهي مرحلة مهمة، قد تجعلني أقوّض ما بنيت، فأخرج بنص جديد!

تدوين جملة

• ما الذي يحرك مخيلتك لإبداع قصيدة؟ ومتى تحجر قلمك إزاء قضية ما؟

– تظلّ لحظة الإبداع غامضة، فالشرارة قد تأتي من مفردة تطنّ في رأسي، أو نغمة تداهم أذني، أو استدعاء موقف محفور في الذاكرة يصطدم بما يشابهه، ومن عملية التصادم تنطلق شرارة النص، وقد اعتدتُ أن أترك لقلمي حرية الاسترسال، حتى إذا ما استقرّت الفكرة أبدأ الكتابة، وقد أكتفي في تلك المرحلة بتدوين جملة تكون هي الخميرة التي تحيل طحين الحروف، والرؤى إلى نص شعري، وقد تستمر هذه العملية أياماً.

• نشأت في العراق وانتقلت للأردن ثم إلى اليمن قبل أن تستقر في عُمان منذ 1998 وتحصل على جنسيتها عام 2016. إلى أي مدى أثرى هذا التنوع البيئي والثقافي تجربتك

الشعرية؟

– رغم أن انتقالاتي، مقيماً، كانت بين مدن عربية، تجمعها مشتركات ثقافيّة، فهي تتشابه في الأصول من حيث العادات والتقاليد وإيقاع الحياة العام، فلم أكن فيها “غريب الوجه واليد واللسان”، كما هو الحال الذي واجهه أصدقائي الذين أقاموا في مغتربات غربية، وهذا قلّل شعوري بالغربة، إلا أن الفوارق، في الفروع، وأعني البيئات المختلفة، والجغرافيات المتعدّدة، ولقائي بأشخاص، واحتكاكي بالأوساط الثقافية العربية، وسّعت من أفقي، وشكّلت ثراءً ثقافياً، وأمدّت نصوصي بزاد معرفي، فحلّقت إلى مديات أبعد مما لو كنت ثاوياً في المكان الأول، وبهذا الإطار يمكنني أن أعتبر ولادتي الشعريّة الثانية قد تمّت في صنعاء، رغم أنني حين غادرت بغداد حملت مع ما حملت في حقيبتي مجموعتين صادرتين لي هما “إلحاقاً بالموت السابق” 1986، و”حداداً على ما تبقى”، إلى جانب مجموعتين شعريتين موجهتين للأطفال هما “وطن جميل” و”نجمة الليالي”، لكن إقامتي اليمنية جعلت نصّي يدخل مناطق جديدة على مستوى اللغة، والبناء، وتوظيف الموروث الفكري والأسطوري، وتوسيع الاستفادة من المرجعيات في تأثيث النص الشعري، وتعزّز هذا في سلطنة عُمان التي تتكئ على موروثات ثقافية، وجذور حضارية ضاربة في العمق لو تتبعناها لعرفنا الصلات القديمة التي تربط حضارة “مجان” بالحضارة السومرية التي نشأت في جنوبي العراق.

• بدأت مشوارك الشعري بمجموعة “إلحاقاً بالموت السابق” 1986، ثم “حداداً على ما تبقى” 1991، ثم “جنائز معلّقة”… ماذا يعني الموت بالنسبة إليك كشاعر؟

– سؤال الموت إرث بابلي، “رافديني”، قديم، وقد شكّل مصدر قلق مستمر، ففي “ملحمة جلجامش” نقرأ على لسان جلجامش:

“أواه أوتنابشتيم. ماذا أفعل؟ أين أسير؟

لقد تسلل البلى إلى أطرافي

وسكنت المنية حجرة نومي

وحيثما قلبت وجهي أجد الموت”.

وقد وجد جدّنا جلجامش في ملحمته أن الجواب الوحيد يكمن في الأثر الخالد الذي يتركه الإنسان بعد رحيله من هذا العالم، هذا السؤال يقفز من مكمنه، كلما عصفت الكوارث بنا، بسبب الحروب التي مر بها العراق، والمنطقة، والكوارث، والاضطرابات السياسية، والديكتاتوريات، بما ينعكس على كتاباتنا، كوننا أبناء هذا الواقع المهدّد بالفناء.

عصر الإغريق

• في ضوء تجربتك المميزة في المسرح، كيف تقيم مستوى المسرح الشعري عربياً؟

– المسرح نبض الحياة وجزء من حركتها، وفاعليتها، وعلاقته بالشعر أزلية كونه بدأ شعرياً في عصر الإغريق على يدي اسخيلوس، وسوفوكلس، ويوربيدس الذين كانوا شعراء، لكن في الآونة الأخيرة، أدار المخرجون ظهورهم للمسرح الشعري، وقد تعدّدت الأسباب، وأبرزها أن النص الذي يكتبه الشاعر للمسرح يجد صعوبة في شق طريقه إلى الخشبة، لذا تجنّب المخرجون نصوص الشعراء، وإذا ما اقتربوا منها، فإنهم يلجأون إلى القصّ، وتشذيب الكثير، ومع انحسار الشعر على مسرح الحياة، لم يعد للمسرح الشعري وجود إلا في الكتب، فليس من الواقعية في شيء أن يتحدث الممثلون شعراً، كما نرى في العروض الأوبرالية.

والاتجاهات الجديدة في مسرح ما بعد الحداثة تدعو المخرجين إلى إقصاء النص الدرامي، وإنجاز نصوص مسرحية من خلال التمرين للعودة إلى ما قبل الدراما، ولكن بقيت اللغة الشعرية، فالكثير من الشعراء الذين كتبوا للمسرح نقلوا عدّتهم الشعرية، بما فيها اللغة مع ما حملوا معهم إلى المسرح كالشاعر خزعل الماجدي، الذي كتب العديد من النصوص المسرحية بلغة، وأخيلة شعرية امتزجت بلغة المسرح لتظل العلاقة المشيمية قائمة.

العام المقبل

• ما الذي تنشغل بكتابته حالياً؟

– على مستوى الكتابة الشعرية، أشتغل على مجموعة من المخطّط لها أن تصدر العام المقبل، إذ سأبلغ يومها الستّين، لذا ستحمل عنوان “شياطين طفل الستين”، ومن الطبيعي أن يكون الزمن محورها، ورحلة العقود الستة التي قطعها الطفل الذي يصرّ على طفولته، بصحبة الشعر، وشياطينه!

أما على صعيد الكتابة المسرحية، فلديّ أكثر من فكرة جاهزة للكتابة، تنتظر الوقت، والحافز.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا