خالد الوسمي.. أول مرشح يخرج عن تقاليد القبيلة

دسمان نيوز – استغرقت كتابة السيرة لشخصية بحجم وتاريخ الدكتور خالد الوسمي حوالي السنتين، فالتلميذ عندما يكتب عن أستاذه يحتاج الى التأني والبحث والتحليل والتدقيق، وإن كان الدكتور فيحان العتيبي زامل أستاذه بالتدريس وفي قسم التاريخ بجامعة الكويت فيما بعد.

بدأ مشوار الكتابة بحسب وصف الباحث، بعد التوافق على التدوين وتسجيل محطات مشوار الحياة، بعمل جلسات امتدت لأشهر ودارت العجلة، ثم انتقل إلى مرحلة كتابة أهم تلك الأحداث والذكريات، وبعدها جاءت مرحلة البحث في أرشيف ومكتبة الدكتور الوسمي وأوراقه المبعثرة، ثم مرحلة المقابلات الشخصية، والذهاب إلى مضابط مجلس عام 1981، الذي دام أربع سنوات، وأخيراً أرشيف الصحف الكويتية، ليجمع عدداً من الصور ويبدأ في كتابة بروفة بعد الأخرى، إلى أن يخرج بصورته النهائية.

لعب الدكتور الوسمي دوراً مهماً في قاعات مجلس الأمة، وتحديداً في عدم تمرير مشروع تنقيح الدستور عام 1981، بتبنّيه تشكيل كتلة نواب العوازم للدفاع عن الدستور، كما وصفه الدكتور أحمد الخطيب، لاسيما أن الوسمي يعد عضوا فاعلا في حركة القوميين العرب وناشطا متميزا.

وفيما يلي أبرز ما جاء في كتاب «سيرة حياة» شخصية ذات وزن سياسي، والصادر عن دار ذات السلاسل للنشر والتوزيع، مؤخراً.

انصب اهتمام خالد الوسمي بعد تخرّجه في الجامعة، وكان عضواً قيادياً بحركة القوميين العرب، على مواصلة العمل السياسي، وراودته فكرة خوض الانتخابات البرلمانية وقراره بالترشح لمجلس 1975، وكان عمه محمد عضواً في المجلس التأسيسي، ويمثّل منطقته في الدائرة التاسعة، وهي حكر على قبيلة العوازم.

كانت قناعته تقوم على تخطّي مفهوم القبلية أو العائلية أو الطائفية، ولم يكن يوما من هذا الاتجاه، وبالفعل حظي بتأييد كبير في المنطقة ومن الشباب كذلك.

كان التركيز في حملته على التوعية بأن مصلحة الكويت ومستقبلها في عدم الخضوع للكرسي، بل عليه أن يجعل الكرسي خاضعا لمصلحة الوطن والشعب. كان سهلا عليه النجاح لو مارس الانتهازية السياسية والتلون بالمواقف.

لا للواسطة

اعترف بأنه حورب من أبناء جلدته، ومن السلطة ومؤيديها، وكان خصومه يروجون إشاعات ضده بهدف إسقاطه، ومن الأمور التي توقّف عندها قصص الدواوين عند الانتخابات، فقد سأله أحدهم بعد أن دخل الديوانية عن رأيه في الواسطة، فأجاب: الواسطة نوعان؛ الأول إن كان لك حق بقوة القانون، والآخر إذا كان حقاً للآخرين، فليس لك حق وغير جائز، فردّ عليه شخص آخر في الديوانية (الله لا يوفقه… حتى الآن ما نجح ويرفض الواسطة)، لذلك لم يجارِ الشارع أو الناخب، ورفض الواسطة وأخذ حقوق الآخرين، وبقي على قناعاته بأن القانون فوق القبيلة والطائفة والعائلة.

كان الوسمي أول مرشح يخرج عن التقاليد البدوية ويتمرد على الأعراف ويخوض الانتخابات خارج القبيلة، وكان من الأوائل الذين خاضوا الانتخابات مستقلاً عن القبيلة وتقاليدها، وتعرّض لهجوم قاسٍ بسبب ذلك، من القبيلة ومن خارجها.

وانتقد عملية نقل الأصوات، لأنها مؤشر إلى تفشي الرشوة والولائم الانتخابية المُبالغ فيها، وإفساد الضمائر والذمم التي دخلت الحياة السياسية.

اتهام بالشيوعية

وباعتراف د. أحمد الخطيب، فإن تجربة الوسمي جديرة بالاحترام والتقدير، فهو أول من واجه قيود وعادات القبيلة، رافضاً الانتخابات الفرعية، وهذا الخروج من عباءة القبيلة لم يعجب السلطة، فاتهمته بالشيوعية، لتخويف الناس منه وعدم التصويت له.

واحتدمت المعركة بين اليسار والوسط المحسوبين على التيارات السياسية في الكويت، وكتب أحمد الديين وعبدالعزيز السلطان وأحمد الربعي ومجلة الطليعة مقالات يدافعون فيها عن اليسار ومواقفه الوطنية.

وجاءت انتخابات مجلس 1981 ليدخلها الوسمي من جديد، بعد أن تغيّر المزاج العام في الشارع، وأصبح الناخب أكثر تفهّماً منه في انتخابات 1975، وزاد إقبال الشباب في حملته هذه، وكان الوضع الشعبي أفضل بكثير عما قبل، مما أتاح له فرصة النجاح، وأصبح عضوا في مجلس الأمة.

واستدعاه رئيس الوزراء الشيخ سعد العبدالله، عارضاً عليه المشاركة في الوزارة، فاعتذر عن عدم قبول المنصب، لأنه لا يصلح أن يكون وزيراً، على حد تعبيره.

وبدأ المجلس أعماله بمناقشة مراسيم الضرورة، فاعترض عليها مع مجموعة من النواب بقيادة أحمد السعدون مقابل مجموعة أخرى أرادت الموافقة عليها بقيادة محمد العدساني، ودخلت البلاد في مشكلة دستورية، وامتدت المناقشات، وفي الأخير اقتنع رئيس الحكومة بمواقفهم، وعرضوا المراسيم على المجلس، وتمت الموافقة على كثير منها.

تنقيح الدستور

ويشير الكتاب في الفصل الخاص بمجلس 1981 إلى أنه عرف بمجلس التمرير والتنقيح، ويقصد به تمرير الحكومة قوانينها ومشروع تنقيح الدستور، وقد لعب د. الوسمي ومجموعة من النواب ذات التوجه الوطني والمدافعين عن الدستور دورا فاعلا وتاريخيا في ذلك.

وكان التنقيح على مرحلتين؛ الأولى شكّلت فيه لجنة حكومية رفعت تقريرها بتعديل بعض المواد، والأخرى مرّ خلالها التنقيح من خلال موافقتين من حيث المبدأ، ومن حيث الموضوع، فكان الموضوع يحتاج إلى ثلثي أعضاء المجلس وإلى أغلبية خاصة.

كانت المجموعة المتصدية للتنقيح واعية ومدركة للتحركات الحكومية، فانقسم المجلس الى 3 مجموعات مؤيدة ورافضة ومترددة، وكان هو الوحيد الذي يمثّل اتجاهات حركة القوميين العرب، واستطاع إقناع عدد من النواب القبليين، وكان مع مجموعة نواب ضد التمرير، وبذل جهداً كبيراً مع نواب العوازم بشرح خطورة التنقيح والتنازل عن حقوقهم كنواب.

ثم يتحدث الكتاب عن الحوار الذي دار بين الشيخ سعد والنائب الميع، الذي قال للشيخ: «الوسمي وجدناه عازمي أكتر من العوازم، يكلمنا في الدستور والقوانين ولا يكلمنا عن الشيوعية».

كانت اجتماعاته مع النواب مهمة جداً في العملية الديمقراطية، ولعبت دورا في تغيير مسار التنقيح، وأدركت الإدارة السياسية تأثيرها في التصويت خلال عرض مشروع تنقيح الدستور على المجلس، وبالتالي وضعوا «فيتو» على خالد الوسمي للتضييق عليه، خصوصاً في انتخابات عام 1985، وسخروا كل الطاقات لإفشاله.

كان الوسمي الأعلى صوتا داخل البرلمان وخارجه الذي ينادي بإسقاط مشروع التنقيح، إلى أن جاء مرسوم الاقتراح بتعديل بعض الأحكام، وعرض على المجلس عام 1982، لكنه أجّل النقاش فيه أشهراً، ثم طرح مشروع تعديل الدستور في جلسة 14 ديسمبر، وفي تلك الجلسة سُجل للنائب محمد المرشد دفاعه عن الدستور، مناشدا زملاءه عدم التفريط بأمانة الدستور، وألقى قصيدة طويلة حول الموضوع، ولم يرد عليه الشيخ سعد.

وبعد النقاش، تم التصويت بالموافقة على مشروع التعديل، فكانت النتيجة موافقة 37 نائبا ورفض 27 نائبا وغياب واحد، ليحال الى اللجنة التشريعية، وفي 15 مارس 1983 قدمت اللجنة تقريرها، وانتهى رأيها بالموافقة على تنقيح بعض المواد ورفض أخرى، وفي جلسة 28 مايو 1983 تقدمت الحكومة للمجلس بمرسوم باسترداد اقتراح تعديل بعض أحكام الدستور.

واستطاع د. الوسمي أن يلعب دورا مهما في عدم تمرير مشروع تنقيح الدستور، نظرا لانتمائه الى قبيلة العوازم، وهي من أكبر القبائل عددا وتأثيرا داخل مجلس الأمة وخارجه. وتبنّى تشكيل كتلة نواب العوازم للدفاع عن الدستور، وقدّم طرحا متميزا وأفكارا نيرة، وفق وصف

د. أحمد الخطيب، الذي أضاف: لقد باءت محاولات الحكومة بالفشل، وفاجأ نواب العوازم الحكومة بالتصويت ضد التنقيح، ويعود الفضل في ذلك لخالد الوسمي.

وتضمن هذا الفصل شهادات من النواب أحمد الخطيب وراشد الحجيلان وخالد الجميعان ود. سعد بن طفلة العجمي، والكاتب والناشط أحمد الديين.

الديمقراطية في الكويت

وتحدث عن التجربة الديمقراطية في الكويت، وهي نمط سياسي فريد، وأبرز ما فيه أن كل شيء ممنوع، وفي نفس الوقت غير ممنوع، وتعد هذه الظاهرة من أخطر الظواهر السياسية، وهو ما دفع الأجهزة التنفيذية الى سياسة أسماها الفنان السوري (حارة كل من إيده إله)، فما هو ممنوع على فلان غير ممنوع على علان من الناس، وهذه الحالة خلقت عند الإنسان الكويتي عدم ثقة بالأجهزة التنفيذية.

ومن أبرز ما في هذا النمط شعار الأسرة الواحدة، هذا الشعار الذي كان من المفروض أن يعامل الشعب الكويتي على أساسه بالتساوي في الحقوق والواجبات، لكن طغى عليه مفهوم أن كل شيء ممنوع، وفي نفس الوقت غير ممنوع، وأضاف أخلاقية جديدة تنم عن الحسد والغيرة والكراهية، فقد أفرغ الشعار من محتواه الإنساني، وتناست الإدارة السياسية أنها بصدد خلق دولة لا تربية عائلة.

هذا الوضع السياسي أفرز مقومات جديدة في المجتمع، من أبرزها استغلال النفوذ وخلق بطانة سوء، وحوّلوا شعار الأسرة الواحدة للمنفعة الشخصية وتعطيل مفهوم الدولة، وجعل التعاون بين الإدارة السياسية والشعب مفهوماً من جانب واحد، ومن يخالف ذلك فهو ابن عاق، وهذا منزلق خطير يعني من وجهة نظر الإدارة السياسية: «مَن مَعنا فهذا ما نريد، ومَن لم يوافقنا بالرأي فهو مارق».

ووفق وصف د. خالد الوسمي، فالديمقراطية ليست بقالة، وأخطر سبب في تأخرها هو حل مجلس الأمة غير الدستوري، وهذا انقلاب على الدستور، وهناك أقطاب تشوه الديمقراطية وأخرى توقفها، ولا تريدها بالأصل، لأنهم يرغبون في مجلس صوري «لا يهش ولا ينشّ»، وهذا يعني تشويها لمفهوم الديمقراطية وتعطيل المسؤولية التشريعية والرقابية في البلد.

اعتقال «أبو ديما»

ولعل من التجارب الغنية في سيرة الوسمي قصة الغزو العراقي وكيفية دخوله الكويت واعتقال العراقييين له في منطقة الرميثية، واستجوابه من جانب خلية استخباراتية اتخذت من دسمان مقرا لها، وكيف التحق مع د. غانم النجار وأحمد الديين بإصدار نشرة الصمود الشعبي، وكان يلقب بـ «أبو ديما»، وهناك روايات لغانم النجار وفلاح الوسمي وأحمد الديين عن فترة الاحتلال ودور «أبو ديما».

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا