استجواب د. غدير ووفاة د. هوفمان وما يربط بينهما بقلم : المستشار شفيق إمام

دسمان نيوز – تحاكم اليوم في مجلس الأمة الموقر، وتساءل سياسياً د. غدير أسيري، لما نسب إليها في الاستجواب المقدم لها من أنها سبق أن أبدت آراء في الحجاب وغيره من مسائل، في إجاباتها عن سؤالين لأحد الصحافيين في بلد غربي بما يفقدها الثقة والاعتبار في تولي المنصب الوزاري، كما جاء في الاستجواب.

ودون الخوض في الناحية الدستورية من هذا الاستجواب، فإن ما استوقفني في توقيت هذه المحاكمة السياسية، أنه قد مضى أسبوع واحد اليوم على وفاة المفكر الألماني مراد ويلفريد هوفمان.

ووجه الربط بين الأمرين، مع تقدير للاستجواب الذي لم يساوره أدنى شك في عقيدة الوزيرة الإسلامية، في آرائها التي أبدتها قبل أكثر من تسع سنوات، ولم تكن تشغل منصباً رسمياً يفرض عليها بطبيعته قيوداً، بل كمواطنة تتمتع بحرية الرأي وحق التعبير عنه، أن هوفمان لم يساءل أو يحاسب كدبلوماسي يمثل بلده، عندما خرج من عقيدته المسيحية التي يدين بها الشعب الألماني فضلاً عن الشعوب الأوروبية جميعها، وأشهر إسلامه رسمياً في عام 1980، إبان عمله سفيراً في وزارة الخارجية الألمانية.

الأحزاب المسيحية المحافظة

هوفمان لم يساءل سياسيا، ولم ينحَّ عن منصبه الدبلوماسي، بالرغم من أن أهم حزبين في ريادة العمل السياسي في ألمانيا يدينان بأيديولوجية مسيحية محافظة، هما الحزب الاتحادي الديمقراطي المسيحي الألماني، ويحتل 200 مقعد في البوندستاغ (البرلمان الألماني) و23 مقعداً في البرلمان الأوروبي، وحزب الاتحاد الاجتماعي المسيحي في بافاريا، ويحتل 46 مقعداً في البرلمان الألماني وستة مقاعد في البرلمان الأوروبي.

ولم يمنع وجود هذه الأحزاب وخروج هوفمان من العقيدة المسيحية إلى الإسلام (عدو الغرب) من الترقي وشغل أعلى المناصب في وزارة الخارجية الألمانية وحصوله على أعلى الأوسمة، فقد تولى بعد إسلامه رئاسة وحدة الناتو والدفاع في الوزارة من عام 1983 إلى 1987، ثم مديراً للمعلومات في حلف الناتو في بروكسل من عام 1987 إلى عام 1990، ثم سفيراً لألمانيا في الجزائر، ثم سفيراً لها في المغرب حتى عام 1994، كما نال وسام الصليب الأحمر من رتبة استحقاق من جمهورية ألمانيا الاتحادية عام 1984، ووسام الاستحقاق برتبة فارس منها عام 2009، ووسام الاستحقاق برتبة قائد من دولة إيطاليا.

ادرؤوا الحدود بالشبهات

ويبلغ التسامح مداه في الإسلام في قول المولى عزو وجل: “مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلا مِثْلَهَا وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ”. ويقول الرسول (صلى الله وعليه وسلم) تجسيداً لهذا التسامح “ادرؤوا الحدود بالشبهات، فإن يخطئ الإمام في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة”.

إن هذا هو الإطار الشرعي لحماية العدالة في المحاكمة السياسية للدكتورة غدير الأسيري التي من حقها أن تطالب المحلفين في مجلس الأمة بالنصفة وحسن الإدراك والتدقيق فيما تحمله إجاباتها سالفة الذكر من معان، بعيداً عن تأويلها بما لا تحمله عباراتها، وعدم عزل إجابتها عن سياقها الذي قيلت فيه، في بلد غربي، تسوده ثقافة مختلفة، تنظر إلى الحجاب بأنه قهر للمرأة والهبوط بإنسانيتها بإجبارها على ارتدائه، وهو ما أراد الصحافي التأكيد عليه من سؤاله، فأجابته بفطنة بأن ارتداء الحجاب هو أمر متروك للحرية الشخصية للمرأة، وعندما وجه إليها سؤالا آخر عن تحريم الخمور والقمار في الكويت، في بلد ثقافته تعتبر تحريمها عدواناً على الحرية الشخصية، وقرن سؤاله بإباحتهما في دولة الإمارات، أجابته إجابة لا تخلو من ذكاء وفطنة وكياسة، لترد عليه نقيض مقصوده، بأن الأمر يرجع إلى اختلاف القانون في كل من البلدين، وأنه إذا اقتضت الضرورة أن يباح هذا الأمر أو ذاك لغير المسلمين في الكويت، كما حدث في الإمارات فيجب صدور قانون يضع القيود والضوابط التي تمنع إساءة استخدام هذه الرخصة.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا