الطاهر لكنيزي : أعمل على ديوانَي «بقايا شجون بليلة» و«هديل الأماسي الجريحة» ورواية «الهتماء»

دسمان نيوز – يعتني الشاعر والقاص المغربي الطاهر لكنيزي باللغة إلى حد مذهل، فحين تقرأ له نصاً تذوب عشقاً في جماليات قاموسه اللغوي البديع، ولا يختلف الأمر بالنسبة إلى تقنية الكتابة لديه، إذ يصوغ إبداعه بأسلوب متدفق كالماء، وهو كما يقول في حواره مع «الجريدة» يعتبر نفسه طفلاً واللغة عجينة يشكّل بها إبداعه، ليخرج في هيئة قصة أو قصيدة أو قصة قصيرة جداً. ويرى لكنيزي أن الشاعر يمتطي الخيال بينما الروائي قناص للظواهر، وتبقى القصيدة وفق قناعته «تياراً جارفاً من القلق والحيرة»… وفيما يلي نص الحوار:

• يتنوع إبداعك بين الشعر والقصة، على أي أساس تحدد القالب الذي تسكب فيه نصك؟

– أعتبر نفسي طفلاً واللغة عجينة أشكّل بها ما يتداعى من دون استدعاء ليصبح قصيدة أو قصة، أو قصة قصيرة جداً، باللغة العربية أو الفرنسية، أو حتى نصاً باللهجة العامية، فإذا ما استمالني أثناء قراءاتي نص بجمال لغته وبديع صوره وسلاسة أسلوبه، وتمنيت لو أنني كنت كاتبه، أفرّغ عليه حلّة من لغة موليير، وللرواية كما للقصة قالب بأبعاد محدّدة ومتغيرة حسب توالي العصور، وعندما تثير انتباهي ظاهرة اجتماعية أو نفسية حدّ الاستفزاز، أهيئ كل مكوناتها بمقادير معيّنة وأصبّها في القالب الذي جهّزته سلفاً، أما القصيدة فتيار جارف من القلق الغامض والحيرة لا أبعاد له، يحملني إلى حيث لا أدري، وعندما يشعّ الشطر الأول أو البيت فإنّه يفرض عليّ الموضوع والإيقاع والمعجم، وعندئذ، أجلس كتلميذ ينجز فرضاً.

نشاط عضلي

• ما الذي دفع بك إلى عالم الكتابة؟ حدثنا عن منطلقاتك في هذا الصدد؟

– أنا من جيل لم يعرف في صغره وسائل التواصل الاجتماعي، فحتّى المذياع والتلفزيون كانا نادرين وأيام العطل المدرسية، يغرقني الفراغ في فيض ساعاته المملّة حتى يكاد يفتك بكل نشاط عضلي أو فكري، فأقتله قتلا بالتجوّل ساعات بين الكتب، ولو بإعادة ما قرأت والقراءة هي الخزّان الذي لا ينضب، وهي التي حرّضتني على الكتابة، وكنت قارئاً نهماً ومداوماً، أتابع عن كثبٍ كل ما ينشر في الملاحق الثقافية والمجلات الأدبية، وأحيانا كنت أشعر في قرارة نفسي أن بعض نصوصي التي كتبتها لنفسي وتراكمتْ، تتميز على بعض النصوص المنشورة وأدليت بدلوي ذات مرة، فنشر نصّي وعندئذ اتخذت الكتابة من بين اهتماماتي، وشعرت كأنّها أصبحت مسؤولية لا يجب التخلي عنها.

وقود الأحاسيس

•عبدالرحمن الكيالي في قراءة لمجموعتك «قبّرات لا تهادنها الفخاخ» يقول إنك رغم توظيفك اللغة الشعرية في كتاباتك، فإنك تميل إلى الواقعية، ما مدى اتفاقك مع ذلك الرأي؟

– يمتطي الشاعر متن خياله المشحون بوقود الأحاسيس الجيّاشة ويرتاد عوالم ما وطأتها خيول خيال القارئ، ليقدّم له فاكهة غريبة بطعم اللذّة المدهشة، بينما السارد قناص يترصّد الظاهرة التي يمرّ بها القارئ يومياً من دون الانتباه إليها، رغم ظهورها الصارخ ويجرّدها من الزوائد ويضيف إليها ملح أسلوبه في الطبخ، فيقدّمها هو كذلك إلى القارئ ببهارات لم يعهدها ذوقه، فلِمَ لا يفصح الكاتب عما يستفزّه بلغة تجسّد الواقع، وتكون في متناول المتلقي البسيط الثقافة؟ ولو أنّ البرازخ كادت تنتفي بين أنواع الكتابة، أليست هذه من بين مهمات الروائي والقاص الانعطاف أحيانا نحو الواقعية!

مشاعر الناس

• إلى أيّ حد تنشغل برصد ومناقشة التحولات الاجتماعية في أعمالك؟

– أرى أن الشاعر ليس ذلك الذي يكتب الشعر، بل من يشعر بمشاعر الناس ويكرع من أفراحهم وآلامهم حدّ الامتلاء، فينبجس النص بأطياف ارتساماته، وأنا لا أعيش في كوكب آخر، بل على هذه الأرض التي تغلي، وفي هذا العالم الفوضوي الذي تزلزله القلاقل، وتطحنه النعرات العرقية والأحقاد الدينية، ولست في منأى عن هذه فأنا لا أكلّف نفسي عناء ترصُّد الظواهر والتحولات الاجتماعية لأشتغل عليها إنها تفرض نفسها عليّ، وتضغط على روحي فأتأثر بها لأنني حلقة في سلسلتها.

حجم النص

• لك تجربة في القصة القصيرة جداً… ما الذي يحققه النص المكثف من متعة للكاتب والمتلقي؟

– أظن أنّ الرؤية هي التي تحدّد حجم النص تارة يجف نهر الإبداع حتّى لا يبلّل منقار يراع، وتارة أخرى يتدفّق حتى يفيض عن اللزوم، وقد تحقق الرواية والقصة للمتلقي متعة قد لا يحققها النص المكثف (القصة القصيرة جداً)، والعكس صحيح من لا تكون قراءته متنوعة، فلن يعوّل عليه كقارئ، وأحيانا تكون المتعة التي يمنحها النص المكثّف عابرة، كلقطة من فيلم، أو مثل القشعريرة التي تهزّ مشاعرنا لثوانٍ وتخبو، بينما اللذة التي نستمتع بها أثناء قراءة قصة أو رواية تستمرّ نكهتها بين شفاه أحاسيسنا ردحا من الدهر، وإن فصول الرواية ما هي إلا مجموعة قصص لُحْمتها أحداثها والشخوص وسَداها العلاقات التي تربطهم.

الكاتب طفل

• تكتب أيضا للطفل، ونلت جائزة مصطفى عزوز لأدب الطفل، برأيك ما الذي يجب أن يتوافر في النصوص المقدمة للصغار؟

– يمكن القول إنه كلما استطاع الكاتب الوصول إلى نفسه (الطفل الذي كان)، فإنه يستطيع الوصول إلى الصغار. الكاتب طفل يكتب بمهارة عالية وفنية تتجلّى فيها روح الطفولة الشفافة المعلّبة بالبراءة، وبلغة تصاغ بمهارة وفنية، تتساوق وفنيةَ الخيال وعوالمَه التي تسحر مخيلة الطفل ووجدانَه، لأنها نابعة من روح كاتب يستعيد طفولته بالشعر أو بالقصة، وإن الكتابة المنتجة للإدهاش، والتجانس اللفظي، وجمالية اللغة وطفوحها، ورونق الكلمة، وسلاسة النظم، ورشاقة التعبير، والدلالات المؤثرة، والقدرة على ابتكار التغييرات بصورة تشكيلية، حيث تضحى المفردات ألواناً ترسم لوحات تحيل على واقع، حتّى يشعر القارئ الصغير أَنّه يستطيع تقليد النص لو تسعفه اللغة، كل هذه العوامل أو بعضها يجب أن تتوافر في النص المقدّم للطفل.

اللغة الفرنسية

• ما المشروع الأدبي الذي تعكف عليه الآن وربما يخرج للنور قريباً؟

-حاليا، في رفّ الانتظار ديوانان، «بقايا شجون بليلة»، و«هديل الأماسيّ الجريحة»، ورواية «الهتماء»، ومجموعة قصصية للناشئين باللغة الفرنسية نفضت منها يدي منذ مدّة غير يسيرة، لكن التردّد ما زال يسكنني، ومن ثم لم أحسم بعد أيا منها أدفع به إلى المطبعة وماذا يُنتظَر من أناس في وطن شبه أمّي، لم تزدهم وسائلُ التواصل الاجتماعي إلا غوغائية ونفورا من القراءة؟ أحيانا، أهدي أغلب مؤلفاتي التي أطبعها على نفقتي، إلى الأصدقاء والتلاميذ، أو قُل أتصدّق بها عليهم.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا