فاضل التميمي : كتابي «جذور نظرية الأجناس الأدبية فى النقد القديم» أيقونة إصداراتي

دسمان نيوز – رغم تقديمه عشرات الكتب النقدية، فإن الناقد العراقي فاضل التميمي يعتبر كتابه «جذور نظرية الأجناس الأدبية فى النقد القديم» أيقونة إصداراته، فهو يدرّس في عدد من الجامعات بمصر والعراق والجزائر. ويعمل التميمي أستاذا للأدب في جامعة ديالى، موزعا يومه بين التدريس والقراءة والكتابة، وله إصدارات في النقد الأدبي القديم والحديث، وفي البلاغة والنقد، وقد بلغت جميعها 12 كتاباً، و3 كتب عن أدباء عراقيين أكراد، وأسهم في تأليف 11 كتاباً مع زملاء آخرين. وفي حوار مع «الجريدة» من القاهرة تحدّث عن أعماله ومسيرته ورؤيته النقدية، وفيما يلي التفاصيل:

• في البداية، ما هي منطلقاتك كناقد في رؤية الأدب؟ وهل هو وليد الواقع ويعبّر عنه أم أن الأدب دلالة على موقف الإنسان وانعكاس لذاته تجاه الواقع؟

– قبل 1400 سنة، أجاب الناقد العربي أبوبكر الباقلاني عن هذا السؤال بقوله، وهو يتحدّث عن إبداع الشعر، إنّ الله تعالى أجرى على لسان بعضهم من النّظم ما أجرى، وفطنوا لحُسنه فتتبعوه من بُعد، وبنوا عليه وطلبوه، ورتّبوا فيه المحاسن التي يقع الإطراب بوزنها، وتهشّ النفوس إليها، بمعنى أن الأدب وليد الموهبة التي تجاري إشكالات الواقع لتعطي موقفا محددا من العالم يعكس وعيا خاصّا وزوايا النظر النقدية تختلف، فلغة النقد القديم عند كثير من النقاد يجب أن تحاكي النماذج القديمة، ولغة النقد الحديث يجب أن تحاكي النصوص الحديثة، وهذا شائع عند الكثيرين، لكنني أجد الأمر مختلفا؛ لأنّ اللغة في النقدين واحدة، وهي في الحالين تستقي نسقها من ثقافة الناقد، ومن جمال النصّ المنقود، بغضّ النظر عن زمنه، والمنهج المتّبع، نعم بعض النصوص التي نقدتها مارست تأثيرا واضحا على لغتي في حالات محدودة حين تكون تلك النصوص متقدمة في رؤيتها ونسيج لغتها، بمعنى أن تأثير النص على الناقد يمارس هيمنة من خلال سلطة التلقي التي توحي للناقد مزيدا من الكشوفات.

بنية نقدية

• على مدار أعمالكم، وأنتم تعكفون على محاورة القارئ العربى من خلال تقديم أطروحات أدبية شاملة، تنوعت بين القديم والحديث، هل استطعت أن تشكّل بنية نقدية يمكن عدّها منطلقا إلى النقد العربي الحديث؟

– كتاباتي التي تمور بين نقد القديم والحديث، والتنظير، والإجراء، لا أستطيع أنا تحديد درجة فاعليتها النقديّة، لكنّي أستطيع أن أقول إن كتابي “جذور نظريّة الأجناس الأدبيّة في النقد العربي القديم”، الذي صدر بثلاث طبعات؛ الأولى طبعة المجمع العلمي العراقي، والثانية طبعة دار الفكر بتونس، والثالثة طبعة دار مجدلاوي في عمّان، قد فرض نفسه على جامعات عراقيّة، ومغربيّة، وجزائريّة، حتى صار مجالا للدرس الجامعي، فهو – الكتاب – لا يتحدّث عن نظريّة متكاملة اختص بها النقدُ العربي؛ لأن هذا ادعاء يكذّبه النقدُ نفسهُ، لكنّه رأى أن النقد العربي القديم خلال سنوات تفجّره المعرفي والإجرائي، كان قد قال بمقولات أجناسية هي في حقيقة أمرها استجابة لطبيعة الحاجة النقديّة التي فرضت نفسها يوم ذاك من زاويتين متقاربتين؛ الأولى قاربت فكرة الأجناس وهي تحتفي بلغة القرآن الكريم، والأخرى قاربت الفكرة نفسها من خلال اكتشاف طبيعة الأجناس.

مشهد بانورامي

• إلى أين يتجه “النقد الأدبي”؟ وهل الوفاق الودي بين أفراد الجماعات الأدبية يؤدي إلى إنتاج نقدي متطور؟

– يتجه النقد الآن إلى مشهديّة بانوراميّة يتآلف فيها ما هو ثقافي، ونقدي في حواريّة بينيّة، لا تلغي النشاطات النقدية الأخرى، وإنما تستعين بها، فقد ثبت للجميع أن النقد يتجدّد في لغته، ومحتواه، ورواه بشكل تتوازى فيه الأنماط كلّها بعيدا عن ثقافة الإلغاء التي يمارسها البعض في حق نقّاد معروفين ونقد واضح.

نحن الآن لا نستطيع أن نلغي البنيويّة بجرّة قلم، مع أنها تعيش أفولا واضحا، ولا نستطيع أن نعوّل على النقد الثقافي فحسب، وكنا قبل سنوات قليلة لا علاقة لنا بالحجاج، واللسانيّات، وهما الآن يسهمان بشكل واضح في رسم صورة النقد بمشهده الحالي.

الذي أريد أن أقوله إنّ النقد الآن بجميع رؤاه يتبنى الحلقة الثالثة في تأريخ الأدب، أعني (نقد النقد) بوصفه وعيا على وعي، وخطابا على خطاب، بعد أن خاض غمار القراءة بمنهجيّات وقفت عند العلوم الإنسانية المختلفة في سبيل العبور إلى بوابة الاجتهاد السابر للنقد الذي يمتح من منجزات الحضارة المعاصرة، وعينه ترنو نحو تحديث اللغة، والأدوات، والإجراءات من دون أن ينقطع عن حوار الآخر برغبة صوغ خطاب ينفتح على الذات بمقدار انفتاحها على العالم، لا وفاق بين أفراد الجماعات الأدبية إلا في حدود، وهو ما يدفع إلى الإبداع والتميّز والتجاوز أيضا.

مكمل إبداعي

• هل تثق بأن النقد مكمل للإبداع، أم أن العلاقة بينهما لم تكتمل حتى الآن؟

– النقد فنّ يستنطق جماليات الأسلوب، والقارئ ناقد، والناقد قارئ، وكلاهما تشتغل في عقله مهمات أيسرها قراءة النص بما يدركه النص نفسه، لفكّ شفرات الكتابة، وليس في هذا التوصيف إقصاء لخصائص القراءة الواعية التي تنشد الغوص في الظلال، والمنحنيات، والبياض، والتنقيط لتسبر أعماق ما هو مكتوب، ومموّه، وممحو بفعل الكتابة نفسها تلك التي لم تحترق، ولم تمت، ولم يفسد رمادها… لا يمكن للنقد إلا أن يكون مشاركا للإبداع بلا وصايا جائرة.

زوابع الأدب

• وأنتم فى معترك الحياة الثقافية، بمختلف أطيافها، هل نستطيع بلورة رؤيتكم لأهم القضايا التي تفرض نفسها على الساحة، وأثارت الزوابع، ولاتزال، مثل قصيدة النثر – تجربة شعر التسعينيات – زمن الرواية؟

زوابع الأدب توابع للأدباء في كلّ عصر، وبرؤية تأريخيّة نستطيع القول إن قصائد امرئ القيس أثارت في زمنها زوابع نقدية برؤى معيّنة تبعتها زوابع مع شعر أبي نواس وأبي تمّام وغيرهم، لم تقف تلك الزوابع عند المقامة، والموشحة، والبند، وغيرها من ظواهر الأدب فحسب إنّما اتصلت بحاضرنا، وهي تتفاعل مع شعر التفعيلة لتقف عند قصيدة النثر وقد راعها أنّها (قصيدة ونثر)، ثم وقفت تلك الزوابع عند شعر الستينيّات في مصر والعراق، وقد اكتشفت تجريبيّته الواضحة لتحيل فيما بعد على شعر الثمانينيّات والتسعينيّات، لتؤشّر قيام الشعر على إيقاع نثري ممهور برؤى السرد، ثم قدّر لتلك الزوابع أن تكشف الوجه الفاعل للرواية العربيّة بوصفها مغامرة غير محسوبة النتائج، والكتابة فيها وعنها تأخذ شكل المغامرة أيضا حين تكون مقصودة في إطار دلالاتها الكبرى، وهذا يعني أن الرواية التي تريد أن تكتسب تمثيلها الحقيقي والمجازي هي مغامرة المغامرة في عالمنا اليوم.

مجهر النقد

• ماذا عن كتاباتك النقدية إذا ما أردنا وضعها فى سياق من الرؤية والنظر؟

– ليس بمستطاعي أن أضع كتاباتي تحت مجهر نقد النقد، هذه ليست مهمتي، لكنني سأقول لك وأنا بعيد عن النرجسيّة إنني أول ناقد عراقي كتب عن الأدباء العراقيين الأكراد كتبا تامّة، وكتابي “جذور نظريّة الأجناس الأدبيّة في النقد القديم” يدرّس في جامعات عربيّة وعراقيّة معروفة، وربّما أكون أول من دَرَسَ المسرحيّة دراسة أسلوبيّة، وهذا كثير على حالي.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا