العصا ياوزارة التعليم ،، بـ قلم د. فهد الدوسري

استخدامُ العصا يمنعُ منه أهلُ التربية، ويحذرون من عواقبِه الوخيمة، ويرون عدمَ استخدامِه مطلقاً؛ لأنه لا يصنعُ جيلاً متميزاً واثقا، لكنني أعارض هذا التوجه، وأطالب وزارة التعليم أن لا يكون المنعُ على إطلاقه، فترك استخدام العصا في بعض المواضع قد يُسبِّب كارثةً لا تُغتفر، فقد جاءتني رسالةٌ من إحدى قريباتي تعتز فيها بإخوانِها، وتثني عليهم، وتبينُ مكانتَهم وما يمثلونه لها في هذه الحياة، لكنها أخطأت خطأ كبيراً بعدم استخدامِها للعصا مع إخوانها، في بثها لمشاعرها تجاههم، وثنائها عليهم، مما تسبب في خللٍ كبيرٍ، كان يمكن تفاديه بكل يُسرٍ وسهولة، لو استخدمت العصا استخداماً صحيحا، ووضعته في مكانه المناسب.

وقد اكتشفتُ خطأها بعد رجوعي لصورة العرض في جوالها، حيث وضعتْ صورةً شخصيةً لإخوانِها مع بيتٍ من الشعر، تُبدي اعتزازها بهم، وما يمثلونه لها في هذه الحياة، ولكنها نسيت العصا في بيت الشعر الذي استشهدت به:

أنتم ضلالي من الغثا واللواهيب
وانتم دفاي إليا اعطب البرد حالي

وهي تقصد (أنتم ظلالي)، فاستخدامها للضاد بدون العصا ( ظ ) قلب المعنى المراد من جعل الإخوان كالظِّلال الوارفة التي تحميها من لواهيب الدنيا وصواديفها وابتلاءاتها، إلى التيه وعدم الاهتداء، وأظنها اعتقدت بأن الفارقَ الوحيد بين الضاد والظاء هو تلك العصا فقط، دون ملاحظةِ ما تُحدِثه تلك العصا من سحرٍ في النطق وجمالٍ في المعنى، وبسببِ اللَّبس بين هذين الحرفين يقع البعض في فخِّ الأخطاء الإملائية، ثم يتبعه الوقوع في الأخطاء اللغوية.

وفي هذا السياق تذكرتُ موقفاً أخبرني به أحدُ الزملاء، يقول: كان المعلم الشيخ/ رجاء الحربي – رحمه الله – يعلمنا القرآن الكريم في مسجد السبيعي بحي العزيزية بالخرج – في فترة التسعينات الهجرية – فكنت أقرأ في سورة المرسلات قولَه تعالى (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ )، فكنت أنطقها ( ضلَال )، فكان يوبخني وينهرني ويأمرني بإعادة قراءتها عدة مرات حتى أتقنتُ نُطقَها ( ظِلَالٍ ).

وفي القرآن الكريم الكثير من الأمثلة التي يتغير فيها المعنى عند تغيير الظاء بالضاد فمثلا: جاءت كلمة ( ظنُّوا ) بمعنى حسِبوا واعتقدوا، فلو قلبناها ضاداً لأصبح معناها ضنُّوا أي بخلوا، وبين المعنيين فرق كبير، ومثله: الظن: الاعتقاد والشك أو التهمة والضن: ما يبخل به، ما يختص به المرء، ومثله النظر: البصر البصيرة، والنضر: الحسن، الناعم، ومثله: ظل: دام على فعله، صار ذا ظل، ضل: حاد ومال، خاب.

عذرا وزارة التعليم فالعصا المهمة المقصودة هي عصا الظاء، أما التربية بالعقاب البدني واستخدام العصا فقد تتبعت السيرة النبوية منذ بعثة النبي  إلى وفاته فلم أجد موقفا واحدا فقط يثبت ذلك، بل كانت تربيته صلى الله عليه وسلم تقوم على الحب والابتسامة والتحفيز والثناء والدعاء… فكانت الثمرةُ جيلا عظيما، فتحوا الدنيا ونشروا الرحمة من أسوار الصين شرقا إلى جبال البرانس في أوروبا غربا.

خَلَّفْتَ جِيلاً مِنَ الأَصْحَابِ سِيرَتُهُمْ تَضُوعُ بَيْنَ الوَرَى رَوْحًا وَرَيْحَانَا
كَانْتْ فُتُوحُهُمُو بِرًّا وَمَرْحَمَــــــــةً كَانَتْ سِيَاسَتُهُمْ عَــــدْلاً وَإِحْسَـــانَا

د. فهد بن منصور الدوسري
خطيب جامع الملك عبد العزيز بالخرج
23/4/1441هـ

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا