فيمَ تفكر الصين؟! بقلم : يوسف عبدالرحمن

ما أكتبه اليوم انتقاء نوعي هذا وقته لتصدُّر الصين اليوم واجهة الأحداث العالمية، وفي هذا الشأن، يزودنا «مـارك ليـونـارد» برؤية ساحرة وآسرة وغير متوقعة لمشاهد الـمحـتـدم داخل المجتمع الصيني اليوم، ويظهر لنا كيف سيغير نهوض الصين طبيعة عالمنا تغيرا جوهريا!

قليلة هي الأمور التي تحدث في حياتنا وتذكر بعد موتنا.

بيد أن نهوض الصين أمر مختلف مثله مثل قيام روما وسقوطها. أو نهوض الإمبراطورية السوفييتية وانهيارها.

سوف تترد أصداء عواقب نهوض الصين عبر أجيال قادمة! إذاً، لماذا لا يعرف كثيرون منا عن المفكرين الصينيين الذين يصوغون في عصرنا الراهن مستقبل بلادهم؟

ما هو نوع البلد الذي يحلمون به؟

كيف ينظرون إلى تأثيرهم في العالم؟

قد نعرف أن نصف الألبسة التي يرتديها سكان العالم ونصف الأحذية التي ينتعلونها بأنها صنعت في الصين.

وان اقتصاداتنا مرتبطة باقتصاد الصين ارتباطا لا سبيل للفكاك منه، لكن ماذا نعرف عن تجارب الصين مع الديموقراطية؟

وعن حركاتها المناهضة للعولمة؟

وعن خططها للتعامل مع أميركا؟

في حين يتنامى تأثيرها عبر أرجاء المعمورة!

في عام 2006 ذهبت الى دورة في مملكة البحرين، وكان المحاضر البروفيسور فيليب كوتلر المدرب الأميركي العالمي والمستشار للعديد من الشركات على مستوى العالم، وقد سألته عن أهمية التحول الإلكتروني بعد الورقي، وكنت حينئذ مديرا للإعلام في الهيئة الخيرية الإسلامية العالمية، فأجابني عن سؤالي ثم واصل بأن القوتين القادمتين بجدارة هما الصين والهند، وقال: أنصحكم بأن تكون بعثاتكم الطلابية لهاتين الدولتين على وجه الخصوص!

اليوم الصين تعاني داخل مجتمعها من تعاظم الانتقاد الذي سببه الصينيون لأنفسهم باستيراد الأفكار الغربية.

الصين اليوم فيها اعتقاد متزايد في ظل العولمة وبعد خروج بلدهم من فوضى الثورة الثقافية والتي استبدلت بفلسفة متشددة هي الماوية!

الصين اليوم تريد خلع الشيوعية الحمراء وإنبات جلد جديد بعد ان دخلت الماركات الغربية كل الأسوار المحرمة وهوليوود!

كل الخوف الصيني قادم من التمدد الأميركي في هذا العصر الذي أطلق عليه اسم العالم المسطح ولا تريد الصين أن تكون أبدا (مسطحة) عبر الأيديولوجيات مرتبطة بالسياسة الأميركية!

اليوم الصين تسعى للتحرر نحو فكر جديد يتجاوز الماركسية التقليدية، هم صحيح معجبون بالرأسمالية الغربية، لكنهم يريدون اعتناق أيديولوجية صينية جديدة مستقلة؟

هي تريد (حداثة بديلة)!

ثقة الساسة الصينيين اليوم في بلدهم تنبع من النظرية الاقتصادية قبل عقدين من الزمن كانوا يتمنون أن تكون بكين مثل سنغافورة.

وقال بعضهم إننا لن نصلها قبل 50 عاما غير أنهم كانوا مخطئين ففي 25 عاما لم تستطع سنغافورة اليوم أن تنافس مدنا صينية مثل شنزن وداليان وشنغهاي وبكين.

إن التحرر الفكري جعلهم يحققون ثورة السوق وفق شروطهم وقاموا بتحديث نظرياتهم وابتكار فكرة جديدة للحداثة بدل استيراد نظريات بالجملة من الخارج!

إنه الاستقلال الفكري الذي قاده المفكرون الصينيون للتوفيق ما بين الأهداف المتزاحمة وإطلاق العنان لنظامهم السياسي والاقتصادي بدل العولمة الأميركية.

نعم، هناك صراعات اليوم ما بين اليسار الجديد واليمين الجديد والانقسامات الاجتماعية موجودة غير أنهم متفقون على فلسفة جديدة ستحمل مضامين مهمة للعالم.

٭ ومضة: طبعا في الصين في مرحلة الثمانينيات جرت حركة إصلاحية عظيمة نحو «رأسمالية النهر الأصفر» من حيث انتقاد أهداف الماوية البالية وممارساتها عبر أفكار الغرب الرأسمالي ثم البحث عن «أفكار السوق» والدفاع عن نموذج ألطف للرأسمالية، فكان العصف الذهني ومعركته تدور بين أفكار تحرض الدولة على السوق وبروز ديكتاتورية علماء الاقتصاد بعد عمليات الإصلاح والانفتاح للعيش في مجتمع مفتوح متوالد بالانقسام، وبالتالي ظهور اقتصاد السوق الصـيـني وازدياد نـفـوذ عـلـمـاء الاقتصاد الذين سيطروا على لجان العمل الحكومية ووضعوا خطط الخصخصة وشغلوا مناصب أعضاء هيئات مـجـالـس الإدارات (صاروا هم كهنة الصين الكبار الجدد) وبروز طبقة «ديكتاتورية علماء الاقتصاد» جعلهم يحققون معدل نمو بلغ 9% طوال 3 عقود، ما جعل الصين في المرتبة الثالثة في عام 2007 فقد تخلص 300 مليون شخص من الفقر المدقع، في حين غادر 200 مليون مزارعهم للعمل بالصناعة وانضم 100 مليون الى ما يسمي بالطبقة المتوسطة، في حين اصبح 500.000 من أصحاب الملايين ودخلت شركات صينية منظومة المؤسسات العالمية، وتحققت معجزة الصين الاقتصادية ووضعوا حدا للفساد الوظيفي، ثم بدأت نظرة العالم تتغير عن الصين التي قام جنودها في عام 1989 بسحق الحراك الطلابي والشعبي في أكبر عملية قمع وفاجعة إنسانية، وأصبحت مرحلة مميزة للتطور السياسي والاقتصادي للصين.

٭ آخر الكلام: الصين اليوم تشهد نهوض اليسار الصيني الجديد ومناقشة الأفكار الجديدة مثل التنوير والحداثة للخروج من الصين العالقة بين كماشة الاشتراكية المضللة والرأسمالية الصديقة.

لقد ردد علماء الصين أن الدولة الكبيرة نقمة والدولة الصغيرة نعمة!

وظلت هذه المقولة ملازمة للحوار الدائر هناك بين علماء الاقتصاد منذ الثمانينيات وحتى الألفية الثالثة!

٭ زبدة الحچي: في الصين جرى تطبيق الخطط الإصلاحية المسماة (رأسمالية النهر الأصفر) وهي التجريب الدائم في عمليات الإصلاح التدريجي والمعالجة بالصدمة، ما دفع بعجلة النمو الاقتصادي وبيد الشركات لا الدولة وتزاوج التعاون والمنافسة.

إن نهوض الصين عبر الأزمنة جعلها تحظى بمكانة الدولة العظمى، وجعل الصينيين يفخروا ببلادهم وأزالوا للأبد قضية انحدار الصين.

اليوم الصين قوة وطنية شاملة واعية لذاتها في التاريخ، فهي اليوم عنصر ثوري كامن للرؤية الصينية مرتكز على القوة الاقتصادية وأيضا العسكرية!

الصين اليوم (قوة ناعمة) ورغم أن المسمى أميركي، إلا ان له رواجا في الصين، ومن أهم سياسة أجندة القوة الناعمة في الصين هو حرصها على الحصول على أكبر شرعية من خلال 3 أفكار صينية، هي (التنمية الاقتصادية ـ الاستقلال السياسي ـ القانون الدولي)، لقد أضحت الصين اليوم أنموذجا يحتذى وبطلا على حد سواء في أعين دول العالم!

الى أين تتجه الصين: هذا هو السؤال المهم في هذه المرحلة.

تفكير الصين اليوم يتجه الى التجارة أكثر من الحرب، لكنها ايضا مهتمة بالتحديث العسكري، وتعمل جاهدة على اسـتـعادة توحـيد تايوان!

إنها صين القرن، تملك اكثر سكان العالم، وأصغر جزيرة لديها يسكنها 20 مليونا.

إنه عالم الصين المحصن المليء اليوم بالسيادة والسيطرة والتفوق!

الصين اليوم مركز للعولمة الاقتصادية والعسكرية، تقود خُمس العالم نحو مسار استقرار اقتصادي وسياسي فيه الديموقراطية الليبرالية الغربية!

وإن كانت اليوم تنشر أفكار السوق الحر عبر العالم بعد تجاربها الديموقراطية التحررية، صارت هي اليوم رؤية النظام العالمي الاقتصادي المتصدر، ولكن بعيدا عن (الجمهورية الغربية) ذات الطابع الغربي في أميركا وأوروبا ولكنه خيار صيني مستقل هو الأنموذج الصيني!

للصين الحق في أن تفكر فيما تفكر، لكننا نبقى كمسلمين نتساءل ومعنا ملايين من البشر عن قضية إنسانية عظيمة اسمها (مسلمو الإيغور). من مصلحة الصين ان تلتفت وتفتح هذا الملف، لأنه نقطة سوداء في ملفها الجديد الطافي على سطح الأحداث اليوم، وعليها أن تفكر بجدية في ان تفتحه للعالم للاطلاع بإعادة النظر فيما تفكر.

الصين دولة عظيمة وسر عظمتها شخصيتها الاعتبارية ونمط تفكيرها الاقتصادي الذي أرهب العالم وأوجد البديل للأجيال القادمة بعد سيطرة الرأسمالية على حقب الزمان.

في أمان الله.

دسمان نيوز – الانباء

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا