أذربيجان من مرحلة الإستقلال الى الديموقراطية

0
250

دسمان نيوز – باكو – في حياة الأمم والشعوب أيام خالدة تتذكرها دائما ولا تنساها الأجيال، هذه الأيام تمثل ذاكرة الأمة وتاريخها ، وملحمتها التي تحكيها للأجيال كي تظل تتذكر قادتها الذين حققوا لأوطانهم انجازات وبطولات جعلت تلك الأوطان تنهض وترتقي بها ، أو أن هؤلاء القادة منعوا عن أوطانهم كوارث ومصائب كادت أن تدمر البلدان وتقضي علي الأخضر واليابس فيها ، ومن ثم تجر البلاد إلي غياهب التناحر والتخلف ، ولذلك فإن الأبطال الوطنيين لم تصنعهم صدفة عابرة ، أو إعلام زائف ، وإنما صنعتهم مواقف نضالية ، تضحيات بكل ما هو نفيس من أجل الوطن .

وإذا كان من حق الأوطان أن تفخر بأبنائها الأوفياء الذين بذلوا النفيس من أجله ، وتفخر بهم وتقدمهم لأبنائها علي مر الأجيال نموذجا وقدوة ، فمن حق أبناء الوطن المخلصين الوطنيين علينا أيضا أن نتذكر سيرهم ونتدارسها ليكونوا قدوة للأجيال ، ونبراسا يهتدي بهم الأبناء كي ينهضوا بأوطانهم وبلادهم وشعوبهم ولا يبخلوا عنهم بما لديهم من علم ومال وجهد ، فذلك هو التاريخ الذي يُدون لنا ما حققناه من انجازات وبطولات ، أو يسجل علينا ما اقترفناه من أخطاء في حق الأوطان الغالية .

في مراحل التحول الديمقراطي تشهد البلاد صراعا شديدا قاسيا بين النظام القديم وأتباعه الذين استفادوا منه وارتبطت مصالحهم به في الداخل من الأفراد والمؤسسات ، وفي الخارج أيضا من الدول والمنظمات التي ارتبطت مصالحها بذلك النظام ، ومن جهة أخري يسعي أبناء الثورة الذين يريدون تخليص بلادهم من شرور تلك الهيمنة والاستبداد والفساد التي وطّنها النظام القديم في مختلف أركان الدولة ، وبناء دولة عصرية حرة قائمة علي العدالة والحرية والديمقراطية ، هؤلاء يواجهون حربا ضروسا من الدولة العميقة التي ارتبطت مصالحها بالنظام القديم .

حصلت جمهورية أذربيجان علي الإستقلال عن الإتحاد السوفيتي السابق في أكتوبر 1991 ، وفور إعلان الإستقلال لاحت في الأفق بوادر أزمة داخلية طاحنة بين رواسب وأتباع النظام السابق الذين ارتبطت مصالحهم وحياتهم به ، وبين الثوار والشعب من جهة أخري ، وكانت حالة من الفوضى والاضطرابات تسود في الدولة الوليدة ، كما كانت الأوضاع في الجيش تشتد صعوبة وتتزايد حالات الفرار من الجيش ، وكان الاحتلال الأرميني يتقدم كل يوم نحو أراضي الوطن مستغلا حالة الفوضى الداخلية ، ومدعوماً من الجيش السوفيتي الذي لم يغفر لأذربيجان سعيها للاستقلال والحرية ، وظهرت حالة من الفراغ في السلطة بعدما تناحر الجميع واختلطت الأوراق ، وكانت البلاد علي شفا حرب أهلية ، فقد كانت المجموعات المختلفة تتصارع مع بعضها من أجل الحكم على الجمهورية الوليدة ، وأثبتت الجبهة الشعبية من أول يوم أن وصولها إلى السلطة لتحقيق أحلام الأمة الأذربيجانية في الاستقلال والحرية أمراً صعبا وسط هذه الأجواء الملبدة ، والمؤامرات المدبرة من الداخل والخارج ، وأن إدارتها للبلاد في ظل تلك الظروف أمراً غاية في الصعوبة ، وأن البلاد في حاجة إلي معجزة علي يد شخصية قادرة علي القيادة الحكيمة الرشيد لينزع فتيل الحرب الأهلية ، ويفتح باب الأمل نحو الحرية .

في ظل تلك الظروف أرسل الوطنيون من أبناء الشعب في أوقاته العصيبة بدعوة الى ابنه العظيم حيدر علييف ليحضر الى باكو من ناختشيفان ، وقبل حيدر علييف الدعوات المتكررة من أبناء الشعب ومن مختلف الدوائر والمؤسسات الحكومية ووصل الى العاصمة باكو في 9 يونيو 1993 .

استطاع حيدر علييف في وقت قياسي الوصول إلي حلول لمشاكل الوطن الملتهبة ، وأن يبعد البلاد عن شبح الحرب الاهلية ، ولذلك لم تكن هناك صعوبة في إجماع القوي الوطنية ومن خلفهم شعب أذربيجان من انتخابه في 15 يونيو عام 1993 رئيسا للمجلس السوفييتي الأعلى لجمهورية أذربيجان ، بعدما ظهرت حكمته الرشيدة ومهارته السياسية وقدرته علي قيادة البلاد لتحقيق أهداف الأمة ، ومنذ ذلك التاريخ عُرف يوم 15 يونيو في تاريخ أذربيجان بيوم النجاة الوطني ، وأصبح عيداً وطنياً تتذكره الأجيال .

ورغم احتلال جزء كبير من أراضي أذربيجان يبلغ نحو خمس أراضيها من قبل أرمينيا منذ استقلال البلاد ، إلا أن سياسة الزعيم الوطني حيدر علييف التي اعتمدت علي حل كل القضايا الداخلية والخارجية بالطرق السلمية ، فكما استطاع قيادة بلادة والنجاة بها من الحرب الأهلية ، فإنه سلك الطرق السلمية لتحرير أراضي بلاده من الإحتلال الأرمني فاتجه إلي المؤسسات الدولية ، فصدر عن مجلس الأمن أربع قرارات تساند بلاده في تحرير أراضيه من الاحتلال الأرمني ( القرار رقم 822 في 30 أبريل 1993، والقرار رقم 853 قي 29 يوليو 1993، والقرار رقم 874 في 14 أكتوبر 1993، والقرار رقم 884 في 12 نوفمبر 1993، وقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 243 / 62 في 14 مارس 2008 ، وقد دعت تلك القرارات جميعا أرمينيا إلي الانسحاب الفوري ودون قيد أو شرط من أراضي أذربيجان التي تحتلها ، وأن تتحمل تبعات ونتائج ذلك الاحتلال من تعويضات للسكان الذين تم تدمير بيوتهم وأراضيهم ، وعودة السكان المشردين والذين نزحوا من أرضهم وبيوتهم هربا من القتل ونيران الحرب والترويع .

ومع امتلاك أذربيجان للمقومات والإمكانيات التي تؤهلها لإسترداد أراضيها بالقوة العسكرية ، وخاصة بعد إعادة بناء قواتها المسلحة وتدريبها وتزويدها بأحدث الأسلحة المتطورة نتيجة لحالة الازدهار الاقتصادي التي تعيشها البلاد ، ووفرة روؤس الأموال من عائدات بيع النفط والغاز ، إلا أن القيادة الأذربيجانية تسير علي نفس خطي زعيمها القومي حيدر علييف في اتباع الطرق السلمية لاسترداد أراضيها واستنفاذها لكل السبل الدبلوماسية قبل الجوء للحلول العسكرية .

نهوض الأمم وتقدم الشعوب ورقيها لا يتحققان إلا بتوفير إدارة رشيدة حكيمة ، تستطيع النظر للمستقبل بعين ثاقبة ، ومعالجة القضايا والمشكلات بحكمة واتزان يكون هدفهما ترشيد الخسائر قبل تحقيق المكاسب ، أو درء المفاسد مقدم علي جلب المصالح ، وفي نفس الوقت الحزم في قضايا الوطن التي لا تقبل المساس أو التهاون فيها .

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.